الجزائر نيوز يوم: الثلاثاء 7 فيفري 2012 م، الموافق لـ 13 ربيع الأول 1433 هـ
بـريــكـولاج PDF طباعة إرسال إلى صديق
الاثنين, 06 يوليو 2009 21:09

 أهم شيء هو البقاء على قيد الحياة · إذا شئت أنْ تبقى حياً هنا ، فعليك أنْ تجد طريقة لكسب المال، ومع ذلك فلم يبقَ هناك إلا وظائف قليلة بالمعنى القديم للكلمة، ومن غير علاقات عامة واسعة، لا تستطيع أنْ تحصل حتى على أدنى المناصب الحكومية مثل بواب ،

جنائني، زبال أو حارس ليلي·  ومن باب / النصيحة في الوسع تنفع /، عندما تتقدم بطلب عمل إلى أي مصلحة، اخفي شهادتك ، بمجرد أن تقول عندي شهادة، يرد إليك ملفك، ليست مشكلتهم، العيب فيك، أنت تعلمت وعليك أن تدفع الثمن· ستقول وجدت التعليم إجباري، هذا صحي ، ديموقراطي وهو شيء مسلم به، ولا يناقشك في مجانيته إلا لئيما ، ومع ذلك، لا أحد أجبرك على الخوض والتبحر والتفوق فيه  لو ارتضيت بتعلم الكتابة والحساب لكنت بارونا في ترقية العقار الفوضوي ، ألست موهوبا ومتفوقا في علم التكامل والتفاضل؟ · الحراس والبوابون وعاملات النظافة والزبالون الذين تحصلوا على مناصب الشغل هنا، أنكروا أنهم متعلمون حتى لا ترفض ملفاتهم   إذ أصبحت أكثر الأعمال طلبا ، فمن خلالها يمكن الارتقاء والتسلق إلى المناصب العليا ، بعد أن تكون قد تعرفت على شخصيات نافذة، وتقربت إليهم بالديوك الرومية والعسل الطبيعي ورأس الحانوت وزيت الزيتون وخراطيش السجائر وقناني الويسكي والريكار المستوردة والصغيرات وغيرها من الملذات ، والشيء نفسه يصحّ على الأعمال المتنوعة الشرعية وغير الشرعية، التي تروج في أرجاء المدينة وساحاتها وعلى أرصفتها، محلات بيع الكران، طاولات بيع السجائر بالتجزئة والحشيش والمهلوسات وخبز المطلوع وحتى الهجرة السرية (الحرقة) ، فإنها تحتاج إلى شهادات عليا ، هذا فقط ليكن في علمك أن المستوى صعد بصورة رهيبة جدا هنا · كما تحتاج إلى واق يحميك ،  ويؤمن لك المكان بساحة السوق ، وبباب مقهى أو بمواجهة إدارة أو مؤسسة تعليمية ،  مقابل نصيب معلوم مما تجنيه ·

وإذا لم تكن تعرف أحدهم ، فلا فائدة من طلب العمل من أي مصلحة حكومية ، بعد أنْ تُمزق أحذيتك جيئة وذهاباً بين وكالات عديدة لتشغيل الشباب ، وتنتظر في طابور طويل ، يوماً بعد يوم ، ليقولوا لك في الأخير أحمل طلبك إلى دائرة أخرى لذلك ، بالنسبة إلى الذين في القاع والهامشيين وسكان القرى والدوائر الحدودية، الحليب هو الحل الأكثر شيوعاً· إنه عملُ مَنْ لا عملَ لهم ، وتخميني هو أنَّ عشرين إلى ثلاثين في المائة من السكان منخرطون فيه· أنا نفسي قمتُ به لفترة وجيزة من الزمن ، والحقائق بسيطة جداً : ما أنْ تبدأ ، يكاد يستحيل عليك أنْ تتوقف · إنه يستهلك الكثير منك، ولا يبقَي لديك الوقت للتفكير في فعل أي شيء آخر·

على فرض أنكَ تملك واحدة من السيارات الحلابة، وانخرطت حسب الأصول كحلاب وكانت وثائقك كلها قانونية بدء من رخصة الانتفاع و البطاقة الرمادية ورخصة السياقة وقسيمة السيارات والسكانير وعقد التأمين والشهادة العليا والإعفاء من كل التزام وطني ودولي وجبائي ، فإنكَ تكسب نقودكَ بقدر ما تملأ من مازوت وتنقله إلى أقرب محلبة بالقرى والمداشر على الشريط الحدودي حيث يتواجد المغرابة ، وهناك يدفعون مبلغاً كبيراً جداً مقابل كل دلو ، 30 لتر من المازوت أو البنزين· والوسيلة المُفضّلة لنقل الوقود هي سيارة المارسديس، رونو 25 و ,21 والبيجو 405 و406و 505 ، والبيجو اكسبارت وشبيهاتها، والفولغزفاغن باسات · وقد أثبتتْ تلك السِيارات أنها وسيلة متينة ، ولا شك في أنَّها تعمل بفعاليّة أكبر من أي شيء آخر · ووسيلة النقل الأكبر حجماً يكون مُردوها كبيرا مثل شاحنات الفولفو والرونو وهذه لمن استطاع إليها سبيلا واستثمار مضمون العواقب ، والأصغر حجماً تتطلّب عدداً كبيراً من المشاوير إلى المحطات ·· ونتيجة لذلك ، فإنَّ تلك العربات مطلوبة جداً، والهدف الأول لأي مترشح هو أنْ يتمكَّن من شراء واحدة أو يتعاقد بالكلمة كسائق عند أحد ملاكها · وهذا قد يستغرقُ شهوراً ، بل وسنين أيضاً ، ولكن إلى أنْ تحصل على سيارة، يستحيل عليك أنْ تبدأ العمل قبل أن تهيئ خزانها· وثمة مُعادلة قاتلة تكمن وراء هذا كله · فبما أنَّ دخل العمل قليل جداً يتحتم عليك القيام بمشاوير عديدة للتعبئة ، أقلها ثلاثة خزانات في اليوم ، ومع ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة فمن النادر أنْ تدَّخر أي شيء ، وإذا فعلتَ ، بمضاعفة عدد المشاوير ، فإنَّ ذلك عادةً يعني أنكَ تحرم نفسك من شيء أساسيّ : كالنوم والجماع والطعام الجيد، مثلاً، الذي بدونه لن تحصل على القوة اللازمة لأداء العمل الضروري لكسب المال من أجل إصلاح إعطاب السيارة وصيانتها ورشوة التقطير وإتاوة عبور الطرق الوطني · 

ها أنتَ ترى المشكلة · وكلما عملتَ بجدّ، ازددتَ ضعفاً ،  وكلما ازددتَ ضعفاً ، أصبحَ العمل مُستنزِفاً، وسوف ترى عامل المضخة أكثر مما ترى أمك ، وصاحب المحلبة أكثر من زوجتك والحراس أكثر من أبنائك · ولكن هذه فقط البداية ، ذلك أنكَ حتى إذا نجحتَ في الحصول على سيارة ذات حمولة ثلاث دلاء ، فعليكَ أنْ تحرص على صيانتها· إنَّ أغلب الطرق محفرة والمسالك الترابية مُدمِّرةً للسيارات، وقطع الغيار غالية وأغلبها مقلدة، طايوان، وينبغي السهر على العجلات بصورة خاصة وباستمرار وتغيير السيور ومصافي الهواء والزيوت دوريا ، ولكن حتى إذا نجحتَ في التغلُّب على هذه المسائل ، فهناك التزامٌ إضافيّ بألا تفرط في سيارتك أو تغيب عن ناظريك اغسلها واجعلها عشيقتك وابنك المدلل واجعلها فوق كل شيء وكل اعتبار· وبما أنَّ السيارات الحلابة أضحتْ ثمينة جداً ، فإنَّ الكثيرين يرغبون في شرائها وليست هناك كارثة أفدح من بيع سيارتك· ولذلك فإنَّ غالبية الحلابة يرتبطون  بسيارتهم بما يشبه  الحبل السرّي ولا يتخلون عنها مهما كان الثمن مغري· لا يمكن أن ترى السيارة دون حلابها ، فهو إما مشمر على يديه ، متسخ بالمازوت والزيوت، غاطس في محركها يشد المواسير بالسلك، أو تحتها يضبط الصواميل، أو مقرفص أمامها ينظر مزهوا إليها، أو حائم حولها يمسح الغبار عنها أو يبحث عن خلل  ·حتى أولئك الذين يحطمون سياراتهم ويهشمونها في حوادث المرور، بالانقلاب في المنحدرات، أو اقتلاع أشجار الكلابتوس التي تحف الطريق الوطني، أثناء المجازفات المجانية،  والتجاوزات الاستعراضية في المنعرجات الخطيرة والعقبات محجوبة الرؤية، ويخرجون منها بدون خدوش ـ الحلابة مثل القطط، بسبع أرواح ـ ، فإنهم يبيعون الهيكل لورشات التفكيك، ويظلون متمسكين بالأوراق إلى أن يتمكنوا من جلب واحدة عبر طريق الوحدة،  لتظهر من جديد في حلة جديدة بخزان كبير ومحرك قوي   عليك أن تكون بوذيا لتؤمن بتناسخ السيارات كما تتناسخ أرواح الصينيين والهنود· وهذا يجعل حركة المرور  عملاً مُرهِقاً ، لكنَّه يستحق العناء · وبسبب القيادة المستمرة لساعات والضجيج والدخان الملوث الذي تُثيره عوادم الشاحنات والسيارات في الطوابير الطويلة أثناء التزود بالوقود ، والمازوت المسفوح من خراطيم المضخات وفوهات الخزانات على أرضية المحطات ، فإنك معرض للأمراض مهنية خطيرة كالحساسية والربو والشقيقة والقلق والإمساك المزمن وآلام الظهر والبواسير والبروستاتا ، كما تحتاج إلى أحذية آمنة وقفازات للوقاية من الأمراض الجلدية وبالأخص الايكزيمة· وسوف يلتصق بك لقب /الحلاب/ حيثما وليت وغالباً ما يُشار إليك بالقطَّ ، وستجد نفسك دوما محرجا للإجابة عن سؤال مألوفومكرور من أناس يعرفونك ، ماذا تعمل اليوم؟ أجب je bricole 

      مغنية : 2009  2 7

 

قادري عبد الخالق  مغنية ·


التعليقات (0)add
أضف تعليق

busy