| شرفـــــــة : الكتابة الجديدة ورهان الاختلاف |
|
|
|
| الاثنين, 29 يونيو 2009 18:25 |
|
لعل أول سؤال يتبادر لأذهاننا بمجرد أن نقول الكتابة الجديدة، هو ماذا نقصد بالجديدة هنا؟ وعلى ماذا تدل؟ ذلك أننا نعرف جميعنا بان للجديد معنى الراهنية، المعاصرة، الزمن الحالي، الحاضر، ومعنى آخر مختلف تماما وهو الذي يحيل على الجديد، على المختلف والمغاير
الذي لا يشبه سابقه، ويختلف حتى عن معاصريه·· تستعمل الكتابة الجديدة في غالب الوقت عندنا لدمج الجميع في سلة واحدة، ووضع الكتابات التي تصدر في فترة زمنية محددة، دون مراعاة التمايزات التي من شانها أن تكون بين كاتب وآخر وذلك بحسب الطموحات الأدبية، وبحسب المشاغل والاهتمامات التي تميز هذا عن ذاك رغم وجودها في توقيت زمني واحد· وأحيانا يصبح الجديد في تصورنا وأذهاننا هو الذي لم يتكرس بعد، الذي ينتظر دوره، أي الذي لم يتحقق بعد في عرف النقاد وسدنة الساحة الأدبية منذ منتصف الثمانينيات ظهرت تجربة أدبية جديدة في الجزائر تميزت برؤية مختلفة عما سبقها خاصة في الشعر، رؤية محدثة للشعر رفضت الخطاب الإيديولوجي الذي كان سائدا في السبعينيات والثمانينيات وتمكنت بفعل سياق سياسي مختلف كان محصلة لحوادث اكتوبر 1988 ان تفرض وجودها إلى حد ما كجمالية شعرية مغايرة بالرغم من أنها لم تتحقق كوجود مادي قابل للتداول والقراءة من خلال النشر حيث لم يكن هناك نشر في تلك الفترة للشعر والقصة والرواية وبالتالي بقي وجودها معلقا وبين قوسين فهي لم تكن حاضرة حينها إلا في الصفحات الهزيلة للجرائد أو في الملتقيات الأدبية التي كانت تعقد حينها، جاءت فترة العنف لتكسر دينامية التجديد أو لتوقفه عند حده ولتعيد للواجهة ما كان يحتضر أدبيا من قبل، لا ككتابة تستعيد موقعها من مقدمة المشهد ولكن كأسماء ستستولي على المؤسسات الثقافية ومن خلالها ستفرض منطقها القهري الحاكم··وستبتلع الطموحات والأحلام التي راهنت عليها أجيال لم تتربى في ظل قمعية الحزب الواحد وثقافة تابعة للسلطة وخطاب متورط في التصفيق والتهريج الإيديولوجي·· حاولت الكتابة الجديدة أن تراهن على حريتها في الكتابة بعد عملية تطليق قامت بها السلطة مع الثقافة والمجتمع لتنشغل بشؤون معركتها مع الإرهاب والعنف ولكن وجدت نفسها لغياب بنية ثقافية مؤسسة وحيدة في ساحة القتال الرمزي، وحيدة وغير قادرة على أي مواجهة اللهم إلا بالكتابة نفسها التي تبقى بالرغم من كل شيء أحسن سلاح نفسي في تلك الحقبة المظلمة من تاريخنا·· اليوم هناك من يطالبنا بجرد حساب: ماذا قدمتم؟ ماذا كتبتم؟ وهناك من يرغب أن ينقص من الدور الذي لعبته بعض الفرديات في الأجيال الجديدة لا على مستوى الواقع الثقافي فحسب، ولكن الكتابي أيضاً، فتسمع أشخاص يتحدثون من برج عاجي عن هذه التجارب الجديدة حتى لا ننمطها ونختزلها في صوت وتجربة واحدة أنها لم تقدم أي شيء جديد بالمقارنة مع من سبقها· عندما أقول هذا الكلام ليس للدفاع عن كتابة جديدة في المطلق، فاليوم تعرف الساحة غير المنظمة وغير الواضحة والمختلة في كل شيء كتاب جدد آخرون يفدون لعالم الأدب والكتابة كل بمقصد وغاية لا نعرفها قد يكون إطارها أو شعارها هو الأدب (ما أسهل هذا الغطاء) والباطن هو الحصول على امتيازات ومكاسب صغيرة أو كبيرة· ليس هذا موضوعنا فتلك سنة الحياة يولدون في زمن آخر لهم حظوظ مختلفة عن من سبقهم ولهذا يسقط الكثير منهم في مستنقع التشوهات الكثيرة أو أغلبهم، وهم يسارعون لنشر أعمال رديئة أو ينتقلون في رمشة عين من مقام الصحافي لمقام الشاعر أو الكاتب دون أن تدل كتاباتهم على أي مستوى يشفع بهذا الانتقال في ظل غياب أي تقويم، ومن دون مرور بمشرط الزمن· مع أن الكثير كما يظهر بسرعة خارقة سينقشع لاحقا بنفس السرعة الخارقة وقلة ستصمد حتما مثلما صمدت قلة قليلة ممن سبقهم ولم يأكلهم وحش الواقع المتفسخ الذي يفرض اكراهاته وتنازلاته وسقطاته على الجميع· كثيرا ما اسمع كتابا يقولون في مجال الرواية أنكم لم تتجاوزوا كتابات الجيل السابق مثل االروائي الطاهر وطار أو رشيد بوجدرة مع احترامي لهذه الأسماء الكبيرة والحق أنني عندما استمع لهذا الكلام أو التقييم الغريب والمجحف ابتسم بسخرية وبدوري أتساءل هل تجاوز رشيد بوجدرة أو الطاهر وطار كاتب ياسين، أي من سبقهم لمجال الرواية، هل تجاوز أدونيس بدر شاكر السياب مثلا، أو حتى شاعر كلاسيكي من التراث العربي مثل المتنبي لو طرحنا الأمر بهذه الصيغة فإننا حتما سنجيب أنفسنا بأن لا أحد تمكن من تجاوز أحد لأن مهمة الكاتب وهو يكتب لا أن يتجاوز غيره لأن الأمر ليس سباق مسافات طويلة أو قصيرة، ومن يمكنه أن يحطم الرقم القياسي، ولكن أن يختلف عمن سبقه وعمن يسايره في الكتابة، الاختلاف هو الهدف الذي يحققه الكاتب، وبه يحقق خصوصيته وأصالته ومن هذا الباب الكتابة الجديدة تختلف عمن سبقها وهي فخورة ذلك·
بشير مفتي المشاهدات: 127 التعليقات
(1)
|
يمكننا الحديث عن الاختلاف بدل التجاوز، لأن التجاوز في مجال الأدب والفكر عموما غير ممكن بتاتا لانه يعني من ضمن ما يعني الغاء التراكم الضروري لأي انتاج ادبي وفكري، وبالتالي فحين يتحدث البعض عن رغبة التجاوز يغاطون انفسهم وقراءهم، لانهم يسوقون العلاقة بين الاجيال الأدبية على انها علاقة صراعية بالأساس، تقوم على ثنائية حديدة القديم مقابل الجديد، مع ان الجديد لا ينفي القديم ولا يتجاوزه انما يبني عليه صرحه المختلف.
الكثير من الأدباء الشباب وقعوا في وهم قتل الأدب مع ان هذه العملية غير ممكنة ايضا لانها ردة فعل أكثر من كونها فعلا نابعا عن وعي بالمحددات السوسيولوجية للكتابة.
يمكن ايجاد مبرورات نفسية وموضوعية للرغبة في قتل الأب بتجاوزه التي تنبرز لدى البعض، نتيجة الضغط الكبير الذي تمارسه الابوية الفكرية على الوافدين الجدد لمجال الكتابة الادبية والذين عليهم ان يكسروا مزاليج الأبواب لكي يلجوا الحرم الابداعي الذي تحرسه الأبوية المستلطة بطبعها.
ولكن بمجرد الولوج ( أثبات الحضور والتميز) يجد هؤلاء الوافدون الجدد انفسهم مجبرين على التعايش مع الأباء المالكين لراسمال رمزي يمنحهم سطوة وهيمنة معتبرة على الحقل الأدبي، قد يتحول بعض هؤلاء الوافدين الجدد انفسهم إلى ممارسة نوع من الابوية ولو بشكل مختلف عن ابوية السابقين، نتيجة تحصيلهم لرأسمال رمزي يبؤهم مكانة مميزة داخل الحقلالثقافي، ولكن اذا كان الاختلاف هو قدر الكتابة الجديدة الواعدة في الجزائر،فغن " أبوية الجيل الجديد " هي أبوية منفتحة ولا تملك من صفات الأبوية _ بعيدا عن القمع_ غير قوة الحضور الذي ينتج قوة التأثير.
اعتقد أن الأدباء الشباب القادرين على تقديم المختلف والمميز للحقل الثقافي الجزائري بحاجة إلى روح نضالية عالية حتى يتمكنوا من التاسيس لثقافة الاختلاف التي تجرد الابوية الثقافية من قمعيتها وسطوتها التي تنظر للآخرين على انهم قصر أو مارقين
مع ان غالبية الادباء الشباب في الجزائر لا يملكون هذه الروح النضالية ولهذا فهم سريعا من يخرجون من الابواب الخلفية بعد ان احبطهم الواقع الثقافي أو انهم ينقلبون إلى انتهازيين ( بدون رأسمال رمزي )، حيث الانتهازية وإتقان اللعب تصير طريقالأثبات الحضور بدل ان يكون أثبات الحضور عن طريق النصوص المختلفة والواعدة