جون بول سارتر.. الفن السينمائي عند فيلسوف الحرية PDF طباعة إرسال إلى صديق
الاثنين, 14 نوفمبر 2011 17:10

الكتابة عن الفن السينمائي تذكرني بطفولتي عندما كان المعلم (مصطفاوي) يوجهنا مساء يوم الإثنين إلى دار السينما الكولونيالية ـ كتب على جداريتها تأسست سنة 1930، وصارت اليوم قاعة حفلات ـ لمشاهدة مغامرات (صبي) طفل الأدغال وبعض أفلام الثورة الجزائرية قد تكون الوجودية كفلسفة انتهت، ولكن الوعي الوجودي يظل يحكمنا بدليل أن فيلسوف الشخصانية إيمانويل مونييه في كتابه (مقدمة إلى فلاسفة الوجودية) رسم لها شجرة جذورها هم سقراط والرواقيون والقديس أوغسطين والقديس برنار وجذعها يتكوّن من باسكال ومان دي بران وكيركغارد وفروع أغصانها تشمل شخصيات عديدة، ولعل من تلك الفروع ما قد يتجدد في لحظات تاريخية فتنتج تفلسفا وجوديا·

أ ـ لحظة وجودية من الذات

الكتابة عن الفن السينمائي تذكرني بطفولتي عندما كان المعلم (مصطفاوي) يوجهنا مساء يوم الإثنين إلى دار السينما الكولونيالية ـ كتب على جداريتها تأسست سنة ,1930 وصارت اليوم قاعة حفلات ـ لمشاهدة مغامرات (صبي) طفل الأدغال وبعض أفلام الثورة الجزائرية، أو عمي وهو يصطحبني مساء يوم الخميس لمشاهدة أفلام رعاة البقر أو خالي المجاهد (بوزيدي) في مغنية وهو يحدثني عن أسلوبه العنيف في تنظيم الطابور لأنه عمل مراقبا بسينما دنيا زاد أو عصفور وتلك الأيام الجامعية في وهران بالسينماتيك وحصة أحمد بجاوي في التلفزة الوطنية، ولعل جهود الأستاذ القدير بن مزيان بن شرقي بتجديد علاقتنا بهذا الوعي الفني وسائر الفنون الجميلة توضح الهوة العميقة بين (نحن) و(هم) لأن الانقطاع أنتج الخراب، بينما القطيعة هي ثورة داخل نفس الإشكالية تعمل لتنويرنا بأسباب النجاح والتقدم، واكتشافي لطوابير دور السينما في باريس في فترة منحة التعاون الفرنسي - الجزائري (2005 - 2006) يفسر هذا الوعي التاريخي وما آل إليه من بؤس وشقاء·

ب ـ لحظة وجودية من الآخر

يقترن تاريخ الفلسفة الوجودية المعاصرة بنهضة الفن السينمائي، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تاريخ ميلاد الأب الروحي للوجودية الفيلسوف الدانماركي سورين كيكرغارد (1855 م) وتاريخ أول عرض سينمائي من طرف الإخوة ليميار (1895 م) في باريس، صحيح المكان بينهما يختلف، ولكن موضوعات التفكير والصورة توحدهما، فقد جعل كيركغارد من الحياة اليومية مدخلا لفلسفته، لأن إشكالية الوجود بقضايا العبث واللامعقول، والقلق اليومي، وتعابير الرغبة، تفسر حقيقة الذات الإنسانية، بعدما انتقلت هذه الذات من المنهج السقراطي (اعرف نفسك) إلى الموقف الكيركغاردي (اختر ذاتك)، ومن علامات هذا الاختيار هو التحرر من السلطة الهيغلية ورمزية الأكاديمية عندما بحثت الفلسفة في الخطر النووي وأفكار الجنون والجنس والعيادة ومختلف الظواهر الفنية كالموسيقى والمسرح والسينما·

ج ـ لماذا سارتر؟

لم يكن سارتر فيلسوفا للوجود ولنقد العقل الجدلي وأديبا برواية (الغثيان) ومسرحية (جلسة سرية) وغيرهما من الأعمال الأدبية الكثيرة مثل مسرحية (سجناء ألطونا) التي تجعل الإنسان حرية تجسدت بمواقفه من أجل استقلال الجزائر، كما يبدو من المقدمة التي كتبها لتصدير معذبو الأرض لفرانز فانون، ولكن أيضا اشتغل بالفن السينمائي لأنه شارك في التمثيل وأخرج أفلاما وكتب سيناريوهات، وهذا الأمر ليس غريبا على الفيلسوف الذي يشارك في الإبداع الفني منذ أفلاطون والفارابي إلى كامي والحبابي (كتب سيناريو الضائعون) وجيل دولوز و··· ويسجل المواقف الجريئة كرفض سارتر لجائزة نوبل للآداب في أكتوبر 1964 لأنها لم تنسجم مع اللحظة التاريخية، فقد جاءت بعد استقلال الجزائر· وفي هذه الدوائر الفلسفية والأدبية والسياسية نتساءل متى بدأت علاقة سارتر بالسينما؟

في سيرته الذاتية يشرح لنا سارتر هذا التحرر الإنساني الذي ساهمت في انبعاثه ظاهرة السينما قائلا: ''إني أتحدى معاصري في أن يذكروا لي تاريخ التقائهم الأول بالسينما، كنّا ندخل ونحن نتحسس طريقنا في قرن بلا تقاليد، سوف يختلف كليّا عن القرون الأخرى بسوء سلوكه وبالفن الجديد·· كان تسلية النساء والأطفال، كنا نعبده أنا وأمي، لكن قلما كنا نفكر فيه ولم نكن نتكلم عنه قط: فهل يتكلم الناس عن الخبز أن كان متوفرا؟ وعندما تنبهنا لوجوده كان قد أصبح حاجتنا الأساسية منذ وقت طويل''، هذه الدهشة على الطريقة الأفلاطونية هي ثورة على العقل الديكارتي الذي حدد معايير للتفكير تتنافى مع حقيقة الإنسان التي تنفعل بقضايا العصر فتقول بأن السينما هي قصيد الحياة الحديثة، وهذا ما يفسر المشاركة السارترية في كتابة سيناريو فرويد عام ,1958 وسيناريو جوزيف الطيب عام ,1955 والسؤال الذي يفرض ذاته علينا هو: لماذا لم يذاع الشأن السارتري في إبداعه السينمائي كما اشتهر في الإبداع الأدبي؟

في كتابه (الكلمات) يتحدث ساتر عن أمه التي كانت تصحبه إلى عرض سينمائي بدار البانتيون بدلا من الدخول إلى السيرك أو مشاهدة مسرحية في شاتلي، فيصف لنا هذا الاختيار الجماهيري ويقارنه بالتدرج الاجتماعي في المسرح، فيقول: ''علمت أن هذا الفن الجديد هو لي كما هو للجميع''· لقد ميزت الأستاذة باسكال فوترييه في علاقة سارتر بالسينما بمراحل تاريخية متباينة، والأمر نفسه يصدق على الأستاذ دومنيك شاطو المتخصص في الموضوع، لأنه كتب (سينما وفلسفة) و(سارتر والسينما) نذكر منها:

1 ـ السينما في طفولة سارتر:

في (الكلمات) التي طبعت عام 1964 نكتشف حضور السينما في وجود الفيلسوف عندما تحدث فيها عن قاعة العرض بالتفصيل منذ لحظة الجلوس التي تتكفل به العاملة إلى مصابيح النجدة إلى عازف البيانو في افتتاحية الفيلم ونهايته إلى تلك المقارنة الدقيقة بين هذا المكان الذي اشتمل على جمهور من مختلف الفئات الاجتماعية: ''كان هناك جنود وخادمات الحي، وشيخ بارزة عظامه يمضغ التبغ وعاملات مكشوفات الشعر يضحكن بأعلى صوت'' وبين المسرح الذي تميز بالرسميات، لأن كل شرفة فيه تعبر عن طبقة اجتماعية، وبذلك أثبتت السينما الرباط الحقيقي للناس وهو الالتحام، وهذا ما يفسر هذا التناغم بين سارتر والفن السينمائي عندما يقول: ''كنا في العمر العقلي نفسه، كنت في السابعة وأعرف القراءة وكان في الثانية عشر ولا يعرف الكلام· كانوا يقولون إنه في أول عهده وأن هناك تقدما سوف يحققه، كنت أعتقد أننا سنكبر معا· لم أنس طفولتنا المشتركة''، تلك الطفولة التي تذكر أسماء القاعات مثل:

ـ البانتيون

ـ الكينيراما

ـ الفولي دراماتيك

ـ القودفيل

ـ الجمون بالاس أو الهيبودروم

وعناوين الأفلام التي شاهدتها:

ـ مغامرات ماسيست

ـ أسرار نيويورك

ـ فانتوماس

ـ زيجومار

وتتحدث بغرائبية على ظاهرة السينما عندما تقرنها بالسحر، لأنها لا تفهم تواصل الصور وتقنية العرض، يقول سارتر: ''ولما كانت القداسة لا تجد سبيلها إليّ فقد عبدت السحر، فالسينما كانت ظاهرة مريبة كنت أحبها بضلال بسبب ما كان يزال ينقصها· إن هذا الجريان كان كل شيء·· ولم يكن شيئا·· كان كل شيء وتحوّل إلى عدم''·

2 ـ ظواهرية سارتر من السينما إلى المتخيل

إكتشف سارتر الظواهرية في الثلاثينيات عندما بحث (صورة الحياة النفسية الوظيفية والطبيعية) عام 1927 ثم أصدر كتاب الخيال 1936 والمتخيل ,1940 إلا أننا نشير أن كل هذه الأعمال على الصورة تقوم على نظرية تميز بين الإدراك الواقعي والإدراك المتخيل، وقد عبر عن هذا القلق المعرفي بقوله: ''المتخيل أو معرفة الصورة مصدره الإدراك، إنه الإدراك المطبق على الانطباع المادي الذي ينتجه الدماغ، فيعطينا وعي أو شعور بالصورة· هذه الصورة التي لا تبدو غريبة عن شعورنا، لأنها لا تعرض كموضوع للمعرفة لأنها تتصف بالطابع الواقعي المجسد: هذا الأمر يؤدي إلى رفض نهائي لعلاقة الشعور بالأشياء· إنها تملك سلطة مؤثرات أفعال الروح، ومؤثرات الدماغ التي تنتج عن أشياء العالم الخارجي مع العلم أنه التشابه بينهم ينعدم في روح الأفكار لأن هذه الأخيرة، أي الأفكار، لا تصدر من المؤثرات لأنها فطرية في الإنسان، وبفضل تلك المؤثرات تظهر في الشعور''، وبهذا الموقف يتجاوز سارتر الطرح البرغسوني في تفسير التصور الشعور كمعطى مباشر للواقع، لأن الصورة الذهنية هي فعل الشعور يهدف في بنائه موضوعا غائبا أو معدوما من خلال محتوى فيزيائي أو نفسي الذي لا يظهر بصفة مستقلة وإنما كتمثل لموضوع الغاية، لأن ''إدراك الغرض يكون مستحيلا أو منطويا على توتر غير محتمل، فيدركه الوعي أو يحاول أن يدركه بصورة مختلفة، أي أن هذا الوعي يتحوّل بالضبط بغية تحويل الغرض نفسه· وهذا التحول في اتجاه الوعي ليس فيه أي غرابة·· فالبحث عن وجه مموّه في صورة ـ أحجية أين البندقية؟ ـ يقودنا إدراكيا أمام الصورة بشكل جديد، وهو كيفية تصرفنا تجاه أغصان الأشجار، والأوتاد التلغرافية والرسم كما لو كنا أمام بندقية، وهو تحقيق حركات العينين كما لو كنا أمام بندقية· غير أننا لا ندرك هذه الحركات بحد ذاتها، فمن خلال هذه الحركات تتجه نحو الأشجار والأوتاد التي ندركها كبندقية محتملة، نيّة تتجاوز هذه الأشجار والأوتاد، إلى أن يتحجر الإدراك الحسي فجأة فتظهر البندقية، وهكذا فنفقه غرضا جديدا، أو غرضا قديما بشكل جديد من خلال تغيّر النيّة، كما لو كان ثمة تغير في السلوك''·

وهذه الرؤية التحليلية تتقاطع مع انطولوجيا الحرية عند سارتر التي ترى في غاية الفن نزوعا جماليا في اللامعقول، وهذا ما يفسر النقد الأخلاقي للموقف الخيالي أو الجمالي الذي يعتبر هروبا من الواقع على الطريقة الكيركغاردية أو انطواء في رؤية انعزالية، غير أن سارتر سيبرهن على رغبته في الفن، وفي الجمال، ورغبته في الصور الخيالية أو المثالية، وبعبارة واحدة عن تذوقه للفن السينمائي في هذا الانتقال من الإستيتيقا إلى الحالة  الإتيقية·

لقد كتب سارتر اثني عشر مقالا للسينما في الفترة ما بين 1944 و1971 وقدم محاضرة في ماي 1958 موضوعها المسرح والسينما، فعاد مرّة أخرى لتلك المقارنة التي اكتشفها في طفولته ولكن بصورة تبدو معكوسة: ''في المسرح نحن في عالم مجرد عن الأفكار العامة، بعيدا عن الممثلين، نعيد تشكيلهم على طريقتنا ولا ننسى وجودنا والأمر نفسه يصدق علينا عند قراءة كتاب، في حين في السينما داخل ظلمة القاعة التي يحتفل بها شعراء الألمان ككائن يتقمص حضوره في موسيقى دقيقة النغماء مشدودين إلى الشاشة إلى درجة عدم الفصل بين الأنا والآخر أو وجودنا مع العالم الخارجي، لأن المخرج يوجهنا حيثما أراد أن نكون، لأننا صرنا لعبته، فيفرض علينا مفهومه للدراما''، وبعبارة أخرى وجدنا سارتر يندد بالرؤية الموجهة، لأن إدراكنا للصور يتوقف على ما يرغب لنا، في حين في المسرح ما نريد، فنحن أكثر حرية·

في هذا الموقف بدا سارتر تحت تأثير برخت، لأنه اعتبر المسرح هو دعوة للأحكام النقدية للمشاهد، وهذا ما يجعله أداة سياسية وأخلاقية على نقيض السينما التي لا تلعب هذا الدور، وبهذا بدا الموقف السارتري معارضا لمتعة التجربة الجمالية للفن السينمائي، ولكن بالعودة إلى شهادات سيمون دي بوفوار نجد سارتر يعطي مكانة راقية للسينما إلى درجة أنه أنتج أفلاما قصيرة، ولكن للأسف ضاعت بل أخرج مع سيمون ونيزان (صقور لا سيرا) وشارك في تمثيله، ويكفي أن نقدم شهادته بعد إخراج سارتر بقلمه الذي أنتجه ميشال كونتا والكسندر استريك عندما قال: ''لقد كان لدي أحلاما كثيرة في السينما وقد أحبطت إلا هذا الفيلم، لقد أردت دوما إنتاج أفلاما، كتبت سينايوهات بعضها تّم تصويرها ولكن الأمر ليس كذلك''·

على العموم بدا سارتر مشاركا في الظواهر الفنية التي سادت في عصره، ولم يرض بالموقف الفلسفي القائم على الدهشة، لأن طبيعة فيلسوف الحرية تختار ما يتناسب مع وجودها على طريقة القوقديل الذي أبى ''ـ ذلك المسرح الذي تحول إلى سينما ـ ·· أن يتنازل عن عظمته السالفة''، وتلك المقارنة بينه وبين تاريخ السينما توضح قيمة الوعي الجمالي في لحظة الإبداع لأنهما كانا ''في العمر العقلي نفسه· كنت في السابعة وأعرف القراءة وكان في الثانية عشر ولا يعرف الكلام· كانوا يقولون إنه في أول عهده، وإن هناك تقدما سوف يحققه، كنت أعتقد أننا سنكبر معا''· وبالفعل حدث هذا التطور المشترك بين سارتر والسينما إلا أنه في فترة ما بعد سارتر جعل الفيلسوف صامتا ولا يكاد يسمع صوته إلا في مناسبات، بينما الحدث السينمائي صار ناطقا إلى درجة أنه أصبح وأمسى مقياسا للوجود في صور عديدة لتكاد تنفصل عن الوجود الإنساني، لأنه في ديمومة من التطور من الشاشة الكبيرة إلى الشاشات المنتهية في الصغر، التي صارت جزء من الإنسان إن لم تكن هي الإنسان ذاته·

للموضوع إحالات

د ·صايم عبد الحكيم - جامعة وهران


التعليقات (0)add
أضف تعليق

busy
 

الأكثر قراءة