الجزائر نيوز يوم: الاثنين 21 ماي 2012 م، الموافق لـ 1 رجب 1433 هـ
سرداب العاطفة (3) PDF طباعة إرسال إلى صديق
الاثنين, 22 مارس 2010 17:09

مازلت أقرأ تشارلز ديكنز ونجمة واللاز وأعود إلى ريح الجنوب أو موسم الهجرة إلى الشمال ، وهي أعمال متاخمة للواقع التاريخي في حيّزه المكاني وشخوصه العارية من تعقيد التخييلات المعاصرة ، رغم أن  أصحابها من طينة الناس البسطاء العاديين والمختلفين ، غير أن  تهافت أفكارنا المعاصرة فيها الزخم المتشابك من الفوضى المعرفية والمرجعيات المتضاربة ، التي أنشأها التصاعد غير المنهجي للفكر التحليلي واختلاط الشاهد بالغائب في ضمائر الإنتاج المعرفي/ الثقافي ·

وتبدو الواجهة الإبداعية الكتابية والحياتية لأجيال التناسل الإبداعي باللغات البشرية متقاطعة العلامات والإشارات والمناهل ، في معزل عن ''العاطفة'' ، فأجد أن قراءة أو كتابة هذا المشهود الحياتي متمايزة المفاهيم التوليدية ، حتى أن  ساحة الأدب تناسقت مع ساحة الغوغاء السياسية وبالتفيقهات الدينية'' ، كما لو أن  صاحب الأدب هو نفسه''عديم الأدب'' ، بخلفيات وقناعات متعددة المشارب ، أخلطت على الذوق العام بين الماء والنار ·

وليست الحقيقة الأدبية مطلق نهائي ، مثلما نجده في ماضي الإبداعات الكبيرة التي قالت الحياة من موقفها منها أو رؤاها المتناغمة مع مطامح الإنسان ، إلا  أن الإبداعات الإنسانية الجديدة أفسدت ثمارها الأهواء السلطوية الطامعة في التوسع والانتشار والثروة ، لتفسّر في النهاية تلك الخديعة الإنسانية الدفينة ، فالطبقيات الاجتماعية تفسّر مسمار الصراع  ،الصراع الدائم بين الثقافات ، في داخل الأنسجة الواحدة أو الأنسجة المتباعدة جغرافيا وتاريخيا ·

والملفت للانتباه المعرفي أن  الإنسانية في ظل نتاجاتها العامة وابتكاراتها ، لم تتقدّم خطوة نحو ا فضيلة الخيال وأحلام الحياة الأجمل ، لكون عواطف الأمن والخوف والشك والضغينة  لم يستطع الأدب ولا الفلسفة ولا حتى العلوم التقنية والتجريبية أن تصقلها من أدرانها ، وهو تفسير علمي أكيد ، يقول بحقيقة أن الإنسان لم يبدع إلا  أوهامه في الحياة ، ولم يشفع له علمه بالكيانات إلا  أن زاده تعتيما ، لذلك نجد أبا حيان التوحيدي يصرخ من بئر أعماقه الخالصة بالقول ( إن  الإنسان أشكل على أخيه الإنسان ) ، وهو الموقف الحياتي العرفاني الوحيد الذي تصالح مع الحقيقة الوجودية وصارحها ، بتجاوز كل محاولات الطمس التي اجتهدت الآداب الإنسانية في ممارستها.

من جهة الواقع ، أعتقد أن الأدب يلعب لعبة التأزيم الإنساني ، بل هو المروّج الأقوى للعاطفة والنزوة والبسيكوزات ، كونه هو الساحة الوحيدة التي يدخلها كل من دب  وهب  على وجه المعمورة ، من كائنات بشرية زاحفة على بطونها وأجهزتها التناسلية ، نحو سلطة مقيتة ، تعادي جماليات الخلاص المنشود منذ القدم ، أي منذ ما قبل هوميروس ، وما قبل هابيل وقابيل ، لذلك وجد قارئ الأدب عبر العصور متعته في ممارسة لعبة الحياة والموت ، دون القدرة على الخروج المسالم من سرداب هذه العاطفة·

يكتبها كل أسبوع: إبراهيم قرصاص


التعليقات (0)add
أضف تعليق

busy