الجزائر نيوز يوم: الثلاثاء 7 فيفري 2012 م، الموافق لـ 13 ربيع الأول 1433 هـ
عبقرية ألمانية في أبوظبي PDF طباعة إرسال إلى صديق
الاثنين, 15 مارس 2010 17:52

يتداول المثقفون العرب أسرارا كثيرة عن الإمارة وشؤونها الثقافية بالأخص فخلافا لكل مدينة عربية أخرى مأهولة بالفوضى والأركاييزم والعشوائية في الفعل الثقافي تجيء أبوظبي متقنة في صنع آخر ما يبقى في الإنسان بعد أن ينسى كل شيء، هي الثقافة وتفاصيلها تعاش هنا بكيفية أخرى، بإيقاع غريب، وبسرعة وجيزة وبغلق محكم لنوافذ المعجزات القومية الزائفة، الثقافة في الرؤية الإماراتية الحالية هي ثقافة انجاز ومكسبية وتطلعات، عمل فعال يقبض عليه من ناصية الإدارة المقتدرة، الرصينة، الهادئة، يؤدي هذا العمل فريق من ألمانيا، ديناميكي وثاب ويقدر على إشباع غرور أبوظبي الحالمة، وهي إذ تستفيق من النوم الخليجي الطويل تفكر لتوها في طبعة مزيدة ومنقحة، ذات ألوان وأضواء وتعاريج للثقافة العربية وهي تطمح في خلق ظاهرة جديدة لن تكون كظاهرة القاهرة وتعاليها القوموي الفج الصارخ في وهدات العرب وهبوطهم المتتالي، ولن تكون كظاهرة بيروت لأن حراك بيروت الثقافي صنعه البحر والرصيف، الطائفة والهامش، الحرية وأخواتها ولن تكون ظاهرة أبوظبي كالدار البيضاء وهي تزحف على خلطة عناصر متوسطية، على يمينها وعلى يسارها الصخب المزدوج الأوروافريقي مع هجنات وعوالم تضيف في بروق الشعلة،  أبوظبي اللحظة هي في حلقة مدارسة جديدة للعقل العربي فالقنطرة التي تمد للألمان ليست مجرد خيار اعتباطي، ديكوري، كاذب، فهذه واحدة من أسرار يتناقلها المثقفون فيما بينهم لا سيما أولئك الذين زاروها أو ألقوا عليها طلَّة عابرة بعدما شربوا نبيذها وسهروا على كركرة نراجيلها، غير الإغراء الذي تقدمه الجزر الذهبية واستقطاباتها، غير لغة الدعاية السياحية إلى قصر الحصن، وشاطئ الخالدة وجزيرة أم النار وجزيرة السعديات ومركز المارينا وأسطورة برج خليفة، غير هذا التكاثر في الهندسات والأبنية غير هدير البلدوزر وهو يضرب في الأعماق باحثا عن لؤلؤة تكون في السماء معلقة كما هي الأحلام المعدنية الممتدة إلى ما لا نهاية عند حكام المدينة والماسكين بأطباء مستقبلها، غير، غير كل هذا، تريد أبو ظبي أن تحمل أكثر من خدعة سينمائية حملتها دبي وفشلت وأكثر من إيقاع مدن عربية أخرى لم تشتغل على عراقتها بحدية ولم تهضم درس الحداثة كما يجب، كما يلزم، حسنا وبالكيفية التي اعتادها العقل الإماراتي تدبير يومه، حسن سير إدارته، وتدبير سعادته أيضا هاهو يلجأ إلى أفضل العقول وأسمى الحلول نازعا نحو يقين النتيجة وحصاد الجواب المثال، عندما سألت محدثتي الألمانية بياتريس شتاوفر وهي مديرة برامج في معرض أبوظبي الدولي للكتاب عن المسلك القويم لتصريف هذا الكم الهائل من الكتب التي تعرض في أجنحة المعرض وهي كتب ذات توجهات عالمية ورهاناتها بعيدة المرمى حدثتني بثقة هائلة وبديعة حاضرة /إننا نفكر في مؤسسة دولية للتوزيع/ وعليه زال عندي بعض الغبش الذي علق بنظري وأنا أفكر في كثير من الجمعيات الأهلية التي وقفت على ساق وقدم للتأهيل الثقافي في المنطقة لكن كانت تتوقف عند الصالوناتية الفارهة والاستعراض البرجوازي ذلك الذي يمارسه عرب كثيرون من عليَّة القوم، لكن حركية الألمان لا توحي حصرا بتعاطي أجواء الملاطفات مع عرب منحهم الله نعمة الغاز وركوب الخيل وسباق القوارب واليخوت، أعمق ما يقوله مثقف عربي زار الإمارة واستظل بأفياء كورنيشها وازدهى بحاجيات المارينا والمول الكبير هو ما قالته تماما بياتريس وأورسولا ومونيكا كراوس·

إن النمذجة الثقافية التي تقدم في معرض فرانكفورت للكتاب والرسائل التي يرسل بها منظموه وأهله من هناك لطالما تخايلها أهل الثقافة العرب والموسرين الذين يتذكرون هذا الشيء الذي يبقى بعد نسيان كل شيء···

إن مؤسسة /كتاب/ العربألمانية ومديرتها مونيكا كراوس تتحرك بخلفية استشراق غير هيمني يؤمن بحوارية الحضارات، وعندما ذهب جماعة من المدراء التنفيذيين إلى فرانكفورت بصالونه الأسطوري استهواهم الفن والذكاء، العبقرية وروح غوته وهايدغر، بسالة /التوربو/ الألماني الذي يفعل أكثر مما يخطب، يخطب بالدليل و لا يحاجج الحمقى والمغفلين، لقد راق هؤلاء من جماعة المجمع الثقافي ومستشاري محمد بن زايد آل نهيان النموذج وطرائق الإدارة والتدريب ولم يروه إلا الأليق في إعادة تأثيث أبوظبي بمعاني جديدة وأنفاس جديدة وثقافات جديدة·

إن الصورة واضحة، إننا نبحث عن نهضة الإمارات وسبل ارتقائها والألمان قيادة ومتابعة لهم هذا الحس العال في تغيير الوقائع والضخَّ بالبنزين الصافي في عجلات الأداء، رغم الخليط العربي الذي يتواجد في الرواق الثقافي الإماراتي، اللبناني، المصري، السوري، الجزائري، المغربي /وهما بشكل أقل/ إلا أن الإدارة وآليات عملها، استراتيجاتها، حضورها الذهني، هي ألمانية صرفة مئة بالألف، وسيؤدي هذا الطاقم الملكي في التسيير أدواره في تتويج المدينة بتاج ظل ينقصها، مدينة السياسة والجزيرات الطبيعية التي تعدٌ بالمئتين، الدخل الأعلى لرأس المال في العالم، غياب الضرائب على الشركات وعلى الأفراد والضرائب المحتسبة، غياب القيود على التداولات والأنصبة الأجنبية أو قيود على التبادل التجاري، وكذلك الإرث البشري الكوسموبوليتي، زد عليه نظام الحوافز على الأداء والجهود، على هذا الشرط الاقتصادي الوطني طوَّر هؤلاء الألمان شغلهم بحرفية بالغة الحسن والروعة، قوية اللوجيستيك، ريادية التخطيط والاستقراء والتقييم···

مدينة هي مركز للثقافات والعلوم والسبق المعرفي هي أول البشارات، أول كسر لنمط المدينة العربية التقليدي في الثقافة، ثقافة المقاهي وخطاباتها، المطابع وهي تفرغ أطنان الكلمات بلا حكمة، الجدل الأصولي، العلماني الأجوف، المهرجاناتية الرسمية المكرورة وهي تفرغ أكياس الكلام التافه في التمجيد والإشادة والحسنات لذوي الأحذية الخشنة ذات الدوي الحربي، أبوظبي تجتهد في تسويق ثمرات عملها، خارجة من التقليدي، من أدبيات المؤسسة العربية البائسة، من أساليب الإهتراء الفارغ من الإبداع الذي تفاخر به مؤسساتنا القومية في القاهرة ودمشق وفي العواصم الأخرى·

أسبوع ثقافي واحد شهد أكثر من 150 فعالية ثقافية، حضرته رموز الكتابة والفن والجمال والتصميم والتشكيل من قارات العالم كله، أسبوع قصير، مأهول، ممتلئ، يمثل مركزا لأعمال الثقافة وتبادل الخبرات حولها وفنون الاكتساب والتكسب وإقامة العلاقات النافعة بين المثقفين وقرنائهم من المنتجين والناشرين والإعلاميين والمترجمين·

إن المبدأ الذي ظلت ترسخه المؤسسات الخليجية مع طفرات النفط التي لا تني تفاجىء المتتبعين منذ ما يربو عن أربعين سنة هو مبدأ /متعة التسوق/ هذا الفكر الاقتصادي تتخلق به إمارة آل نهيان كاشفة عن طلائعية وحلم ولهفة متسارعة إلى صياغة أبوظبي المستقبل التي لن تكون مستعدة في السقوط كما هي واقعة دبي، الإمارة أبانت عن رؤية مميزة وهي اليوم تحتاج إلى إيغال وتعميق وأيادي تحفر ولذلك أجد في هذه الأسرار التي يتبادلها المثقفون العرب عن الجدوى من كل هذا في استفهام استنكاري شامت نية مسبقة للحكم على التجربة أو جرها نحو الاستهلاكية العابرة وهؤلاء لم يتعودوا بعد على جدية الممارسة الثقافية واندماجها في السوق ببراغماتية الغربيين وكذلك اللانضج في المثقف العربي الذي يريد إما الاستسلام الطوعي لسلطات بلاد وهي التي تحكمه بقوانينها أو لعشوائية الفردي، الاستقلالي والتي لا يضبطها ضابط أو مؤشر أو طموح استثنائي، وعند التأمل والفحص في هذا النشاط /العربي الألماني/ ينبغي مقارنته بالخواء واليتم والهامشية التي يدير بها هؤلاء العرب الآخرين مشاريعهم وبرامجهم في المعارض والصالونات، في الملتقيات والندوات في صناعة الكتب وترويج اللوحات وإخراج الأفلام إذ ليس ثمة أدنى حذر أو تحفظ في القول بوجوبية الاستعانة بالاقتدار الغربي وحكمته في تدبير الشأن الثقافي العربي فمن باب أن أهل مكة ما عادوا على دراية بشعابها ولا  وديانها، إننا بين الحاجة إلى الشيء والحاجة إلى نقد الحاجة وهي مسافة عمل دؤوب وأجر مجتهد لم يخطأ إن لم يصب ولذلك يجب أن تستوفي التجربة سنة الوقت حتى يصدر في حقها ما تستحقه، أكثر وأبعد من ثرثرات المثقفين على تراس فندق لوفت LOFT الباذخ·

عبد الوهاب معوشي


التعليقات (0)add
أضف تعليق

busy