| النقد الأد بي و مفهوم التطور |
|
|
|
| الاثنين, 15 مارس 2010 17:19 |
|
هل يمكن تصوِّر التطورالمجتمعي دون بُعد شموليّ؟ هل تُعتبر الهند مجتمعا متطوّرا لتفوّقها العسكري وتقدمها على درب الديمقراطية، بينما يموت فيها الناس جوعا؟ وعلى النقيض، هل نُسمّي الولايات المتحدة مجتمعا متطوّرا لوفرة منتوجاتها و سيطرتها العسكرية والمالية على العالم، وننسى أن أكثر من ثلث الأمريكيين يعيشون دون أدنى تغطية صحية، و أن حكوماتهم تمارس منذ عشرات السنين - بل منذ قرون ومازالت ماضية في ذلك- سياسة لا أخلاقية مع الشعوب والأجناس البشرية على اختلافها؟ وهل يصُح منهجيا أن نُضفي سِمة التطوّر المجتمعي على بعض الشعوب الصغيرة شرقا وغربا و التي حققت طفرة مادية سريعة ولكنها ما تزال ترزح تحت عادات ومعتقدات قروسطية، وتعاني من مكبلات فكرية و ثقافية ومنهجية تطال حتى المدرسة والجامعة وأطر البحث العلمي؟ هذه الأسئلة الإنكارية تضعنا في المدى الواسع لإشكال يصعب نفيه عن الكثير من المجتمعات الموسومة عادة''بالمتطوّرة''، فماذا نقول عن الأقل تطوّرا ؟ أما القول بأن التطور الاقتصادي و التقني و الاجتماعي أهم و أوْلى أو أنجع من االتّنمية ''الفكرية و الثقافية والأدبية و الفنية والسياسية، و أنه يمكن إرجاء هذه والتعجيل بذاك، فهو قول مغلوط منهجيا و فلسفيا، و لنا في إفلاس النظم اليسارية و الكتلة الشرقية أواخر القرن الماضي عبرة تاريخية دامغة· لنفترض ، على الأقل جدلاً، و بصرف النظر عن بعض البلدان القليلة التي قاربت بشكل لافت حالة التطوّر المجتمعي الشامل ، كالسويد و اليابان وسويسرا ، أنه يمكن اعتبار بقية المجتمعات معنية، و بدرجات مختلفة، بالصبغة الأكيدة و المستعجلة لاعتماد إستراتيجية شمولية فعلية - و ليست شعاراتية فحسب- في التطوير الذي يشمل كل الميادين، وبالخصوص تلك الإستراتيجية التي تنبذ تهميش أو تقزيم الفكر و الفن و الأدب و النقد،والسياسة، وتُساوي بين كل الواجهات على درب التطوير و النّماء الحقيقين· ولنفترض أن هذه الأستراتيجية الشمولية ستهتم أيضا بتطوير النقد وآلياته· كيف نقرأ، حينئذ، رواية صدرت للتوّ في تونس أو الجزائر أو الرباط -اقتصارا على سياقنا المجتمعي المباشر-، و نحللها أو نُؤوّلها كأنها من أخوات اغادة كربلاءب لجرجي زيدان، أو االفرسان الثلاثةب لألكسندر دوما، المكتوبة أصلا حسب مخيال و نماذج معرفية و مرجعية ذهنية متصلة بزمانها و مكانها؟ كيف تسمح المدرسة و الكلية والمحامل الثقافية كالمجلات المختصة و الملاحق الصحفية الجادة بممارسات تعليمية أو تثقيفية تعتمد تنميطا قديما أثبتت المعارف الحديثة رداءتها، بل وأقرّت خطرها على التكوين الصحيح للناشئة و الطلبة المختصين و مريدي الثقافة المتطورة عموما؟ خذ لك مثلا موضوع التنميط الجنسي: لقد أفحم فرويد و يونق وتلامذتهم مفكري القرن العشرين بحقيقة ''الهجنة الجنسية'' للفرد رغم تطوره التدريجي نحو سمة غالبة أنثوية أو ذكورية، و مع ذلك يُصرّ الكثير من الباحثين و ''المثقفين'' و الصحفيين ''الألمعيين'' على آعتماد نمطية جنسية بالية، وتُخصّصُ وحدات بحث ''للكتابة النسائية''، مع عدم قبول السابقين والاحقين ما يقابلها منطقيا من ''كتابة رجالية''، و تجد لها أصداء متواترة في الصحف اليومية و المجلات ذات التاثير الأوسع· خذ لك مثالا ثانيا وهو مفهوم ''الواقع'': لقد أبهرالفيلسوفان الفرنسيان- أدقار موران وميشال فوكو-، و لايزلان يبهران معاصريهما بما كتباه، عندما راجعا جذريا المفاهيم المُؤسّسَة اللأنسية الكلاسيكية l'humanisme classique، وبيّنا علميا أن ما نسميه اواقعاب ليس قابلا للفحص العقلاني حصرا، و أن ''التعقيد'' (complexité) هو المسبار الوحيد المتاح لتحسُّسِ''المَعْطَي'' تَحسُّسا نسبيا جدا، قد لا يفي بأكثر من فرضية بسيطة من بين آلاف الفرضيات الممكنة· ورغم مثل هذه الطروحات الحاسمة في المعارف الحديثة،و التي لم تعد مقتصرة على المختصين، مازلنا نُصْدَمُ بتعاليق صحفية بل و بأطروحات جامعية و مناهج تأويلية نقدية تعتمد خطاطات القرن التاسع عشر،و تستنكف أو هي تجهل حتمية تَخَطِّي منهجية سانت بوف و هيبوليت تان، وقوستاف لانسون، و تُنَاقَشُ الكثير من تلك الرسائل، بل و تَحْصُل في هذه الجامعة المغاربية أو تلك على تهاني اللجنة، مع ملاحظة ''مشرف جدا''!!! الآن و هنا، و حيثما أمعنت التأمل في نواميس النقد الأدبي- كنموذج مفرد بالتحليل المقترح في هذا الحيز الضيق- تقف دون عناء على تناقضات شتى،تعيق التطور الشامل الذي نرومه، مثل التناقضات بين حقيقة الآثار الأدبية المتجددة، شعرا كانت أو مسرحا أو رواية، و المستجدات المعرفية شرقا و غربا، من ناحية، و بعض آليات البحث و التحليل المكرسة من قبل الكثير من النقاد و خريجي الجامعات، كالمصطلحات الأجناسية من صنف ''الرواية الواقعية ''أوبالكتابة النسائية'' أو ''الرواية التاريخية'' ،،، فتطالعك كتب ومقالات نقدية منفصمة تماما عن الحداثة الفكرية والمنهجية، وتسمع خطابا أو درسا أو محاضرة تتوكأ كلها على عِصِيٍّ بالية كَفَرَتْ وتكفر بمنطق التحيين و جدلية التوافق بين الموضوع و الأدوات والسياق المجتمعي والأبستمولوجي··· يتبع علي التومي عباسي
المفضلة
إرسال إلى صديق
المشاهدات: 286 إقرأ أيضا:
التعليقات
(0)
|