الجزائر نيوز يوم: الثلاثاء 7 فيفري 2012 م، الموافق لـ 13 ربيع الأول 1433 هـ
ذوق الرمــــــال (الجـزء الأول) PDF طباعة إرسال إلى صديق
الاثنين, 08 مارس 2010 17:15

 

مـواصـلة لما التزمنا به في أعداد سابقة بترجمة أهم ما كتبته أقلام جزائرية لا تزال مغمورة ولا يزال إنتاجهم الإبداعي في طي النسيان، فقد سبق وأن قدمنا ترجمات شعرية لشعراء جزائريين ساهموا في بناء المشهد الثقافي في سنوات الستينات والسبعينات، سنقدم في هذا العدد قصة للكاتب الجزائري ''نـدير أيت وعلي '' المولود بأقـبو (ولاية بجاية) في 20 مارس 1951، وارتأينا أن نترجم له قصـة ''ذوق الرمل '' التي نشرت في مجلة ''وعـود '' الصادرة عن وزارة الإعلام الجزائرية في عددها السادس / مارس-أفريل .1970 وللذكر فقد كان الكاتب خلالها لا يزال طالبا في CPEM بجامعة الجزائر·وتعـدّ هـذه القصة الفلسفية شهادة عن إحـساس معاش من خلال قول الكاتب ''··· إن كنت أعرف ''ذوق الرمال'' من قبل، فلأنني تعلمت كيف أتذوقه، وذلك لكوني أحسست به يسري في جوف حلقي مثل تدفق الحمم، و أعلم أنني لست الوحيد··· ''·

ما دفعني لأعيش هذه الدراما من جديد ليس الحاجة في جعلها تبدو أكثر من قصة بسيطة و مؤلمة، بل هي مجـرد ذكرى صديق الطفولة، كان يصطاد لي الطيور في الحديقة·

ماتت الطيور، و حلّ فصل الشتاء···

بحلول فصل الشتاء، ماتت الطيور لأنني لم أكن أعرف كيف أعالجها و لا كيف أحميها من البرد·

كنّا نسكن في إغزر، وهي قرية من بين العـديد من القرى في المنطقة، وكلانا كانا يئن تحت وطأة الفقر، ولاشك أن تلك الفاقة كانت جسرا وطـد صداقتنا منذ الطفولة···

ذات مساء من شهر سبتمبر سنة ··.1960

كان صوت المؤذن يعلو فوق أعالي إغزر بالقرب من سيدي يونس، و كانت جوهـرة تنظف طاولة فطور الصباح· أما أرزقي فقد كان جالسا قرب نار وقودها جمر متآكل، وعيناه مشدودتان إلى الشرارة المنبعثة من الموقد، وهي تتلألأ وسط الظلام الدامس···

''سيبلغ العشرين حولا في الفاتح من شهـر مايو'' همست جوهـرة بهدوء· سالت دمعة على خدها النحيل فعمدت إلى مسحها بكفها المتسخ·

لقد أصبح الآن رجلا ا أحابها أرزقي في بساطة·

كان ذلك كل ما كان لديهما ليقولانه، كما أن لو تلك الألفاظ قد أعطت لأملهما السرّي قوّة أكبر· لقـد كانا يتألمان بمرارة··· وفي زخم تلك اللحظات، اقتربت جوهـرة ببطء من الموقد فحركت بيد متبعة رماد ''الكانون''···

لقد شكل وجهها المشوه وعينيها الصغيرتين المنطفئتين كحال قناع الشمع شكلا غريبا، أغرب من توهـج تلك الجمرات الغير المتـناسقة·

''و مع ذلك أيتها الأم العجوز، سيكون هنالك دائما أمل الإنجاب أو ذاك السحر الوحيد إلى أقصى حد، وراء جلدك المحروق، و كليتك الضعيفتين اللّتان لم تعودا قادرتان على الإنجاب··· تحتجين؟! تحتجين وتنسي القبر؟!''

- بـلى، لقد رأيتـك في أول أمسية من شهـر مايو، وقـد كنت تبدين جـدّ سعيدة ··· و الآن ···

- وحسرتاهئ! ترى ما سيحل بي إذا تجاهلت الآن ألمي؟؟

وفي وسط ذاك الضياء، لم يعـد لتلك الغرّفة الصغيرة أي شيء خاص· رغم أنه كانت هنالك دائما رائحة فاترة من الياسمين ألـفـا عطرها، وعلى إحـدى الجدران المبيضة يوجد سراج قديم يشـبه إلى حد غريب عين ميتة تحت قبّة مغبرة··· باردة مثل الصلصال! ······ شاهدة حـزينة···

لقد خيم الآن ظلام داكن وراء الرواق· وأخذت تـنـبعـث خشخشة عابرة لأصوات القطعان، وكذا خطوات الرّعاة الصامتة وهي تمر على المعبر الممتلئ بالحصى، ثم تنقطع الأصوات، ولا شيء···

امتد الصمت شيئا فشيئا ليتوغل السكون للحظات إلى جذع شجرة، حيث جذع صغير يكتنفه الغبار : كان ذلك صمت قلق يثير بالكاد نفس الحيوان و الإنسان···

وفي تلك اللحظات، أحسّ الأب أرزقي لأول مرة بأنه من غير المعقول أن يسلم نفسه بنفسه، ويتجاهل الهدف من وجوده المتعفن· وإن كان أولئك الرجال لا يعلمون ما يفعلونه بالوقت الذي يزول مع ضوء السراج، خلال أمسيات السهرات الطويلة، هم الذين أيضا يملكون أرجل موحلة و لا يحلمون بالسفر···

نعم ، كان فعلا بعيدا عن العالم، ولكنه لم يحسّ بضيق النفس في عالمه الصغير بسبب الرقعة الضيقة التي كان يعيش فيها، لأنه كان من طينة اللّذين يصلون إلى نهاية سفرية عشرين أو ثلاثيـن كيلومتر فـيعبرون عن دهشتهم : ''يا إلهي، ما أكبر الكون''·

''تاغزوت (1) حلم مقـيّد''···

أوقف أرزقي مقاوم محراثه على تلك الأرض المحروثة، وانحنى للحظات، ودخل في دوامة أفكار··· فخيل إليه أن أمـرا ما حدث من غير موعد، كما أن عصى سحّرية غيرت رائحة الظلمات الفاترة إلى رائحة ورد وحركت دواليبها فجأة، ثم تعود الآلة الإنسانية الثقيلة إلى العمل·

و مع ذلك كان الأب أرزقي يدرك - وهو على يقين لم تكشف معالمه بعد - أنه لم يتغير شيء و أن أول صباح من فصل الخريف هذا لن يختلف عن صباح الأيام الأخرى···

''ماذا سيغير فصل الخريف في هذه الأراضي القاحلة أو في فـؤادي العليل؟''·

فمهما كان فصل الحرث أو فصل الحصاد: نفس الأرض الموحلة والجامدة، نفس الشمس الجافة، نفـس الوجوه المستسلمة بائسة تقريبا····''

كان الأب أرزقي أشبـه بمن يقـيس بؤسه كما يقاس المتر في قماش الكتان···

انحنى أرزقي إلى الثرى وعمد إلى حفـنة تراب بين راحتيه، ثم أخذ يضغـط عليها في جوف يده وقـد ارتسمت فيها تجاعيد مخططة صلبة، ثم راح يستنشق الهواء بمناخـير أنفه كالأصهب المهيّج ··· ثم أغلق عينيه···

'' أذرار نـوقـبوب(2)··· إنها كلمات لا يمكن التعـبير عـنها··· ولكننا نملك العديد من الأشياء التي نريد أن ننبئك بها، لدرجة أن الحـياة بطول زمنها لن تكون كافية لذلك· إن الأسد الذي يخرج من وكره يحـب أن يستـمتـع بمداعبة الشمس و النسّيم· أمّـا أنت، فـعـند خروجك من زنزانة الظل و العذاب، تحب أن تستمتع بأصوات أبنائك المتعالية وأغنيات بناتك الشجية، مرحّبا بيوم جديد··· حـينئـذ تكون كل النظرات مصوّبـة نحوك··· فـنـبتسم لك، ونحن محـظوظون بالبقاء على قيد الحياة''·

وفي نفس المساء ،عاد الأب أرزقي مبكرا إلى بيته· نظر إلى جوهـرة، فلمس فيها وجها غريبا شاحبا··· فأدرك بأنه لم يبق شيئا يستطيع أن يلم شملهما بعـد الآن··· فلولا الانتظار··· ما كان له أن يتفهـم آلامها، وربما كان ذاته سبب تلك الآلام·

''لقد كان سعيد كثيرا ما يردد على مسامعي : إن الأمل بالنسبة إليك، تجـده في السماء، لأنك تجـاوزت كل الآمال··· لا·· لم أعـد أعلق فيك أمـلا!''·

غير أن سعـيد كلما بادرني بذاك الحـديث، تتـلوى أمـعاءه من شدّة الألم· حينئذ كان يدرك أنه يكذب على نفسه· غير أن حـبـه لوالـده كان شيئا مشتركا مع ريح الجـنوب··· إنه طعم مرّ يخـترق الأحـشاء···

أمّا حـبّه لجوهـرة فقد اتسم بالشدة كحبه لوالده، غير أنها لم تأبه لذاك الودّ وكانت غنى عن ذلك· لقد كان يدرك ذلك، و طالما لامها على عزة نفسها التي طالما تضايق منها·

صوب نظـره إليها مرات عديدة، غير أنه غضّ عنها الطرف في آخر لحظة، كما لو أنه خشي من صمتها··· فعـلا، لن يتمكن شيء من جمعهما الآن، لأنه كان مجبرا على انتظار ما سيسفر عنه صمتها··· كما أنهما كانا في حـداد وقع فجأة لم يهضمانه بعـد·

****

كانت عقارب الساعة تشير إلى حوالي التاسعة مساءا حينما بلغت ضواحي تاغـزوت· وأنا عند مدخل الضاحية كانت الروائح المنبعثة تبدو عطرة و ضوء القمر ساحـر· لم أكن أفكر في شيء، رغم أنني لن أجـد لي لحظة في حياتي أكثر قلقا من تلك الآونة··

ما هو سبب ذلك يا ترى؟ هل هو التعب أم هو إحساس شرسّ نخضع إليه ولا يطاق أحيانا··· ذاك الإحساس هو الذي يسري في دوامة واسعة حينما نجد أنفسنا على قدم مساواة مع الإنسان الهارب و الحيوان المطارد·

لائ! كنت بالأحرى أشعـر بفراغ كبير حولي كما لو أن الممر الذي كنت أسلكه لأكثر من ربع ساعة سينتهي في حفـرة من غير عمق··· كما لو أنني خرجت من الجحيم، لأعـود إليها من جديد ··· حتما ··· لم أكن أصدق ذلك بعد··· لم أستـطع أن أصدق، وأنا الذي كنت أتمثل الموت أهون مما كنت عليه في تلك اللحظة· أنا الذي تمنيت الموت و انتظرتها، حتى أنني التمستها دون إكراه، يوما بعـد يوم، من سجن إلى سجن···· لائ! لم أتـمكن من تصديق ذلك···

(1) حقل على مقربة من القرية·

(2) رأس جبل بالقرب من آقبو·

يتـبـع / ···

تألـيـف: نـدير أيـت وعـلـي/ ترجمة: حـمـزة عـمـاروش


التعليقات (0)add
أضف تعليق

busy