|
PH/
DjazairNews |
 |
كلنا عرب لبنانيين
سعيد ولد خليفة
ينمائي
في سنة 1982 أثار مارون بغدادي (1950ـ1993) محيط عالم
السينما بلبنان بقلمه ''حروب صغيرة'' أنه يعد بحق تحفة ليس
هذا فحسب بل استطاع أن يحمل رؤيا شديدة الذكاء حول بلد هذا
المخرج الذي ودع الحياة في سن مبكرة عن عمر يناهز الثلاثة
والأربعين سنة .1993 خلال سبع سنوات من الحرب عاش
اللبنانيون وضعا متخلفا أشد بدائية، طغت أحقادهم
وإحباطاتهم، تكرست خلافاتهم الإديولوجية والعقدية بشكل
أكبر· تأكدت عدائيتهم أكثر، ضاع جيل كامل كان يبلغ من
العمر العشرين عند اندلاع الحرب· إن ''الحروب الصغيرة'' هو
عبارة عن فيلم يتطرق إلى هذا الجيل الضائع، إنه جيل ممسوخ،
هكذا لخص مارون موضوع فيلمه الثاني· قبل هذا الفيلم كان
هناك فيلم آخر لا يقل روعة ''نهلة'' لفاروق بلوفة الذي
أنتجه عبد الرحمان لغواطي مدير الإذاعة والتلفزيون
الجزائري آنذاك··
من ذا الذي كان يملك الشجاعة والجرأة ليصور في سنة 2008
لبنان قبل اختفائه المبرمج في مخابر الجيران؟
لا يتعلق الأمر ها هنا بكشف الوجه، فإذا بقيت المحاباة
موجودة في ما يخص المهيمنة فإن الأمة اللبنانية قاطبة
ستطبع بطابعها الفيقي· معنى هذا انهزام الفكر العربي
التقدمي الذي غالبا ما كان يقف في وجه المحافظين، الشيء
الذي غالبا ما نجم عنه آثار مدمرة·
في يوليو 2006 سارعت تلك الأصوات العربية المعارضة
لاستمرار حرب حزب الله ضد الكيان الصهيوني إلى إطفائها
مبكرا، لم ينظر إليها على أنها كانت ''انتصارا للمقاومة ضد
إسرائيل'' بعين الرضا·
حتى الآن ليس هناك لبنانيا واحدا من الجنوب بمقدوره أن
يقول إن الآثار المدمرة لهذه الحرب لاتزال قائمة، إن 100
ألف قنبلة انشطارية التي لم تنفجر بعد (لم يستطيعوا حتى
الآن أن يزيلوا خطر حوالي ستين قنبلة موسفورية صغيرة)
ولاتزال إلى يومنا هذا مطمورة في الأراضي الزراعية بين
أنقاض الأحياء التي أحيلت إلى أطلال بفعل القصف الهمجي
خلال ثلاثة أسابيع كاملة من قبل الإسرائيلي القوي
والمتغطرس بسبب عدم ردعه·
خلال 27 يوما تسببت الطلعات الجوية الإسرائيلية في مقتل
أكثر من 039,1 شخص وجرح 369,.3
أكثر من 944 مدنيا حيث 30% من الأطفال الذين لم يتعدوا 12
عاما قضوا جراء الهجوم الإسرائيلي، كما أوضحت ذلك لجنة
الإنقاذ بالحكومة اللبنانية· أما الخسائر المادية فقد
قدرتها الحكومة اللبنانية بحوالي 6 ملايير دولار·
في 10 أوت تم تحطيم 7 آلاف مسكن، 900 ما بين مصنع ومتجر
وسوق وضيعة، كما تم تحطيم 630 كيلومترا من الطريق و29
مرفقا حيويا (مطار بيروت، الميناء، محطات ضخ المياه، محطات
الصرف الصحي، مراكز كهربائية)، كما تم تحطيم أيضا عددا
كبيرا من الكوابل التلفزيونية والإذاعية والهاتفية، أماكن
العبادة، قواعد عسكرية وتجهيزات أخرى، الجسور، المطارات،
الموانئ، الطرق، وسائل النقل العام مصانع إلكترونية، محطات
خدماتية، محطات البنزين· مستودعات· المؤن الغذائية··· إلخ،
كلها جرى تحطيمها، حيث تم عزل البلد برمته الذي قام
بالبناء والتشييد خلال عشر سنوات قبل تلك الحرب·
ضيّع لبنان أيضا موسمه الاصطيافي، حيث كان بانتظار 2 مليون
سائح، اكتفى حسن نصر الله بالقول التالي: ''لا تقلقوا سنضع
تحت تصرفكم كل الإمكانيات لتعويضكم عن الخسائر التي لحقت
المباني وسنمكنكم من الحصول على مساكن سنساعدكم، كما أننا
سنساعد بعضنا البعض، لا تنتظروا معونة الحكومة التي ليس
لها الوقت الكافي للقيام بذلك·
لا ننسى أن ندرج ضمن هذا الانتصار على إسرائيل الكارثة
الإيكولوجية، بالإضافة إلى الكارثة الإنسانية البقعة
الزيتية السوداء بعرض البحر بعد قصف محطات البترول
والمراكز الكهربائية (جنوب لبنان)· لقد تم قذف 10 ألف إلى
15 ألف طن من البترول الخام بعرض البحر، وستتوسع هذه
البقعة السوداء على امتداد 140كلم دون أن ننسى السحابة
الغازية على امتداد 30 كليومترا التي تسببت في حريق
المستودع·
سلاح حزب اللّه يوجه اليوم إلى اللبنانيين السُّنيين، آلة
الحرب تتبع الخطوط المتسربة منها، كهذا يحلو لجيل دولوز
(1925 - 1995)·
لا تقف بلاغة هذا الفيلسوف عند هذا الحد، فأفكاره هي
بمثابة استشارة·
لا يمكن أن تتحوّل آلة الحرب إلى قوى مرتزقة أو ربما
ستتكفل بها الدولة، غير أنه سيبقى التوتر قائما بين جهاز
الدولة وآلة الحرب لتعمل على تحطيم هذه الدولة وكل ما يمت
بصلة إليها، بل يمكن أن تحطم نفسها بنفسها أو أن تحل نفسها
بنفسها·
يعمل الساسة العرب على صم آذانهم متسمرين في أمكانهم، إنهم
يغضون أبصارهم عن ذلك الخط الذري الذي بدأ يتنقل في الأرض
العراقية إلى أعالي جبل لبنان·
ليس الخطر بعيدا إذا ما بقينا نجول بأبصارنا في أماكن
أخرى·
إن الأزمة اللبنانية ما انفكت تزداد تعقيدا وبدأت تأخذ
أبعادا يُشتم من خلالها رائحة الفتنة الجديدة المتمثلة في
الحرب الأهلية التي ستدفع البلاد نحو الهاوية أكثر فأكثر·
ستكتفي وسائل الإعلام في العالم باعتبار أن هذه الحرب هي
بين السُّنة والشيعة رغم أنها حرب سياسية بالأساس بسبب
أهداف ومناورات القوى الأجنبية بالمنطقة، بالإضافة إلى
التدخل الإيراني والانقسامات العربية، هذا ما أشار إليه
المفكر المستنير مصطفى شريف بإحدى الجرائد الوطنية· لسنا
هنا بصدد إدانة الفكر الفارسي في عمومه، ولكننا ندين موقف
النظام الحالي الذي يعاني صعوبات كثيرة داخل حدوده والذي
لم يجد من مخرج لها سوى خط التسرب هذا على الطريقة الـ ''دولوزية''·
بعد أيام قليلة سيكون مهرجان ''كان'' السينمائي الـ 61
مكانا تنكشف من خلاله عورات العالم الذي يتعامى عن رؤية
الأشياء، سيأتون من لبنان الجريح وكأنهم لم يروا شيئا كما
كان شأن هيروشيما، كما قالت مارغريت دوراس···
سيكتشف الآلاف بـ ''كان'' رفقة كاترين دونوف الشهيرة من
خلال كاميرا البيروتيين جوانا جاجي توماس وخليل جوريج جنوب
لبنان بعد صيف ,2006 ''أريد أن أرى'' هو عنوان هذا الفيلم·
كذلك ذلك الطلب الذي جاء بإيعاز من كاترين دونوف وهي تحط
الرحال بلبنان·
''لم أستطع الذهاب إلى لبنان أسابيع قليلة بعد الحرب حتى
لا أبقى حبيسة أحد القصور'' تقول كاترين· في هذا الفيلم
تقوم بدور مراوغ (في شكل صدى) لشخصية دوراسان في فيلم آلان
روسيني ''هيروشيما حبي'' الذي ما انفك يردد ''لم تر شيئا
بهيروشيما''·
إذا لم نتخذ موفقا فإن لبنان سيصبح أثرا بعد عين عرضة
لتهور الرجال، سيصبح أسطورة شأنه شأن الأندلس التي لم تعد
تبكي شعرائها·· بطبيعة الحال ليس بوش أو أولمرت·