| العاصمة تتحدث بالأخضر والأحمر |
|
|
|
| الاثنين, 25 يناير 2010 21:20 |
|
سامية بلقاضي هي إذن المعنويات التي قاربت بلوغ السحاب بفضل الأداء المتميز للخضر الذين استماتوا في الميدان من أجل ضمان التأهل· فقد كان الشعور بالفخر بطريقة الأداء أكثر من النتيجة في حد ذاتها، وهو ما أكده العديد من الشباب العاصمي، على غرار نبيل بائع الخضروات المتنقل وسائقه اللذان أكدا على روعة الأداء: ''مع اقتراب نهاية المباراة وقبل أن نحسم النتيجة لصالحنا، وبالرغم من الخوف الكبير الذي شعرنا به إلا أننا لم نشعر بالغضب من اللاعبين، من شدة تحمسهم للفوز· كان أداؤهم رائعا، في رأيي حتى لو لم نفز لكننا احترمناهم لأنهم ظهروا بوجه أكثر من مشرف أمام منافس يحسب له ألف حساب· أما أنهم قد ربحوا فذلك يعني أنهم فعلا يستحقون ذهابهم لكأس العالم''· الغريب أن الفرحة كانت عارمة لأنها لم تكن متوقعة، وهو ما لمسناه خلال تجولنا في قلب العاصمة· حيث بدا حديث الشارع ممزوجا بين نشوة من خرج فائزا في تكهناته وبين من فرح بخيبة توقعاته· فقد كان الكثيرون يعتقدون أن الفريق الوطني قد يؤدي مباراة ميتة من حيث الأداء، إلا أنه لن يتمكن من قهر ''فيلة'' ساحل العاج، حتى بالنسبة لمن تفاءل بالفوز ظل يأمل في حدوث المعجزة· ''بمجرد تسجيل ساحل العاج الهدف في الدقائق الأولى لم أعد أقوى على متابعة المقابلة، خرجت أجوب الشوارع غير أن المقابلة لحقت بي، فقد كان صدى أصوات التلفزيونات يدوي في الشوارع· والحق أنه بمجرد تعديل فريقنا الكفة عادت الشهية· والحقيقة، أن بقية المقابلة كانت أصعب اللحظات· بالرغم من سني الذي تجاوز الخمسين إلا أنني لا أذكر أني عشت مقابلة مثل هذه· الكل يتحدث عن مباراة الثمانينيات، لكن الفرق أن في تلك الفترة لم نكن ننتظر لا فوز ولا غيره، كانت مفاجأة سارة فرحنا بها وفقط· أما هذه المرة فقد حيرنا الفريق الوطني بين المستوى العالي للاعبين والنتائج المخيبة للآمال في كثير من الأحيان، ما جعلنا نعيش على أعصابنا، المهم مبارة أول أمس كانت مهرجانا للمشاعر الجياشة لغاية الثانية الأخيرة''، بنبرة مرحة حدثنا سائق سيارة الأجرة الذي قادنا في اتجاه ساحة أودان· على هذا المنوال لم يستثن حديث الشارع الجزائري لا الكبير ولا الصغير، نساء ورجالا، فأين وليت وجهك وأي عتبة تخطيتها إلا وبادرك أحد ''مبروك علينا''· ولأن الجدل ملح النقاش، فقد أفاق الجزائريون على جدل تحديد رجل المقابلة، حتى العجائز في الأسواق الشعبية اقتطعت حصة من الحديث عن الكرة المستديرة الذي عادة ما يقتصر في الجزائر على الشباب، مثلما كان الحال مع الحاجة وردية التي وجدت فرصة لتعبر عن حسرتها قبل إعجابها بحارس المرمى شاوشي الذي أبدى معاناة بدنية إصرارا على إتمام المباراة: ''حليل يماه تشوف وليدها يتقطع من الأوجاع قدام عينها، بصاح راجل هكذاك وكمل اللعب''، كانت هذه العبارات طريقتها في التعبير عن كون شاوشي رجل المباراة قبل أن يقاطعها بائع العقاقير: ''الحاجة، بوعزة هو اللي سلك الماتش لو كان ماشي هو راح كل شي''· كان هذا الحديث في سوق كلوزيل، وهو ذات الحديث الدائر في كل الأماكن· لكن هناك من كانت فرحته مضاعفة، لأن لقمة عيشه المؤقتة عادت لتزدهر في ظل ارتفاع شعبية ''الخضر''، مثلما كان الحال مع مراد بائع ثياب ومستلزمات مساندة ''الخضر'': ''مباشرة بعد نهاية المباراة مع مالاوي فكرت في التوقف عن تصنيع مثل هذه المستلزمات، وكانت قد بقيت عندي بعض الكميات التي لم أتمكن من تسويقها في الفترة الأخيرة، لكن بصراحة سهرة أول أمس وبمجرد نهاية المباراة انهال عليّ شباب الحي يطالبوني بشراء القبعات والكوفيات الخاصة وكذلك القمصان التي أصنعها خصيصا· في اليوم التالي استمرت وتيرة البيع لملابس الأطفال المميزة بالألوان الوطنية، لذلك يمكنني القول إن فرحتي بهذا الفوز مضاعفة''· حديثنا مع بائع مستلزمات التشجيع ذكرنا بموجة الأغاني الرياضية، فكانت وجهتنا نحو محل سيدعلي بديدوش مراد، الذي بادرنا بمجرد معرفته أننا من الصحافة: ''فور انتهاء المباراة فتحت المحل كان الإقبال كبير، الغريب أن كل من يتوقف لاقتناء الأشرطة يكتشف أنه يملك أغلب ما هو موجود في السوق، أصبح الكل يبحث عن الجديد· كل من دخل تلك الليلة كان في حاجة للحديث عن الفوز أكثر من الرغبة في اقتناء شريط سمعي لأن الموسيقى كانت تدوي من كل مكان· في السابق كان سكان الحي يتضايقون لو وضعت الموسيقى في ساعة متأخرة، تلك الليلة استمر الضجيج لغاية الرابعة صباحا ولم أتلق أي شكوى، الفرحة تعمل العجب''· والواقع أن كل من تحدثنا إليه عبّر عن فرحته بالنتيجة التي انتهت بها المقابلة، في إشارة إلى أن الكثيرين كان سيرضى لو كانت النتيجة لغير صالحنا، فقد طالت المباراة وطالت معها معاناة المتتبعين، سيما من يعاني من مشكلات صحية مثل الضغط والقلب، وهو حال السيدة نجاة، صيدلية بسوق ديدوش مراد التي لم تفوت فرصة السخرية من نفسها: ''عشت حالة من الغباء الحاد لغاية نهاية المباراة، فقد نشب نزاع مع زوجي الذي أجبرني على متابعة المباراة، مع أني لم أكن أقوى على متابعة تفاصيل، كان يكفيني المتابعة عن بعد، ففي كل مرة ضيع فيها غزال أو غيره فرصة لتسجيل كنت أشعر أن قلبي سيتوقف، ولا داعي للحديث عن هدف التعديل لساحل العاج، اعتقدت أن كل الفرص ضاعت فما كان مني إلا الشروع في البكاء وإلقاء اللوم على زوجي، في كل مرة أقول أني لن أتابع مباراة من جديد لكن التيار العام يجذبني''· مثيلاتها كثريات ممن لا يبدين أدنى اهتمام بكرة القدم، غير أنه مباشرة بعد واقعة أم درمان تزايدت متابعة النساء لكرة القدم، وهو ما دفع بالسيدة نجاة للخروج رفقة زوجها وأطفالها ليلا للتعبير على الفرحة· خبراء المقاهي والأرصفة·· خلعة وفرحة وسكتنا كل من شكك فينا من خلال الحديث مع عينة من العاصميين، تأكد لنا أن أهمية المباراة كانت بالنسبة للجزائريين بمثابة رد للاعتبار بالنظر لكل الانتقادات التي طالت الفريق وطاقمه الفني بعد الأداء الضعيف الذي ظهر به من حاز على تأشيرة المونديال، انتقادات داخلية وخارجية خلفت مرارة لدى الجزائريين بشكل عام الذين لم تدم فرحتهم طويلا ولم يستمر استمتاعهم بالفريق· أكثر من ذلك جعلت البعض يشكك في جدارة فريقنا بالمكانة التي يحتلها· حتى أن خبراء المقاهي والأرصفة ممن فقدوا الأمل في الفريق الوطني عادوا للتأكيد على أن هذا الانتصار إنما هو انتصار استرجاع الهيبة والقيمة التي سعى الكثيرون أخذها عن الخضر· ''صحيح أننا في فترة من الفترات شككنا في قدرات اللاعبين على اللعب الجماعي، لكن مباراة ساحل العاج كانت ضد عملاق، معنى أن تقف بتلك الشجاعة والإصرار أمام عملاق أنك فعلا تستحق الاحترام حتى لو لم يفوزوا بالنتيجة''· وبالحديث عن الانتقادات، لاحظنا تراجع حدة نبرة الناقدين للفريق الوطني وطاقمه الفني، فقد بات منتقدو الأمس مثار سخرية في الأحياء الشعبية، على اعتبار أن خطابهم تغير 180 درجة، وهو الوضع الذي وجد نفسه فيه مختار الذي وجد نفسه شبه وحيد وسط رفاقه، ''منذ أيام فقط كان يقول عن اللاعبين رجلين المعيز، جاو يأخذوا الدراهم واليوم عينيه راهم يضحكو من الفرحة''، بهذه العبارات وبنبرة ضاحكة ومستهزئة فضح حسين صديقه ليجيب المعني بقوله: ''تاع الصح كي تشوف كيفاه لعبوا مع مالاوي رأسك يحبس، المهم ربحنا انشا الله نكملوها للكأس''· هكذا، وجد الشارع الجزائري نفسه موحدا في فرحته سيما وأن طابع الانتصار ليس على ساحل العاج وإنما على من ظل يلمح لفترة على أن رفاق منصوري لا يستحقون التأهل للمونديال، في إشارة للقنوات المصرية التي تستمر في الاستهزاء بالفريق الوطني بالنظر لأدائه في مقابل أداء المنتخب المصري الذي عرف كيف يحافظ على توازن لعبه خلال الدورة الإفريقية، هكذا لن يتجرأ أحد على الاستهزاء بنا، فقد أدى لاعبونا مباراة عالمية قلما يشاهد عشاق الكرة المستديرة مثلها· العيطة لدراجي، الموضوعية لبيومي والشتائم للأغا المسكين هذا الحديث عن تذبذب أداء اللاعبين في الفريق الوطني فتح الأفواه وبات الكل يدلي بدلوه في الموضوع، فمنهم من يعتبر أن الغرور وراء النتائج الضعيفة، فيما يرجعها آخرون للتفاصيل التقنية مثل عدم التقاء اللاعبين في دورات تدريبية وغيرها من التفاصيل التي يخوض فيها رجل الشارع وكأنه من كبار المختصين في التحليل الرياضي· وعلى ذكر المحللين الرياضيين، فقد شهد الشارع الجزائري نقاشا حادا آخر حول المحللين العرب الذين اكتسحوا القنوات الفضائية، فبين العربية، الجزيرة، أم بي سي وغيرها من القنوات التي باتت تستحوذ على عقول العاصميين، تجادل الجزائريون عن أفضل معلق ومحلل· نقول جدال وإن كان في واقع الأمر محسوما، فقد اكتشف الجزائريون حفيظ دراجي من جديد بعد ذهابه للجزيرة، حيث باتت صيحاته وخرجاته التعليقية موضوعا دسما للشارع العاصمي الذي بات يدمن على هذه البرامج· على غرار برنامج ''صدى الملاعب'' الذي بات يعرفه العام والخاص بعد سلسلة السباب التي يتلقاها عبر البريد الالكتروني من كل الناقمين على الرفيق الجزائري، والغريب أن الشارع العاصمي الذي عادة ما يفضل القنوات الفرنسية بات يعترف بالروح الرياضية العالية لهذا المنشط الذي لا يتردد عن قراءة انتقادات الغاضبين عليه· في ذات البرنامج يعترف العاصميون بموضوعية المحلل الرياضي المصري بيومي، الذي لم يجد ما ينتقد به فريقنا بعد الأداء المبهر· فكان تقدير الجماهير الجزائرية له: ''والله ماكنتش نستنى من مصري يقول الحق ويشكر فريق الجزائر، الحمد لله على الأقل عرفنا أنهم ماشي كامل كيف كيف، هكذا يبرد قلب عمنا ابراهيم حجازي يسكت علينا ما يزيدش يهدر، شهد واحد منهم بركات''، هي الكلمات التي عبّر بها حسيسن قبل أن يضيف: ''والله هذاك الأغا مسكين يعرف غير يضحك راح في الغلاط بسبتنا، نهار كامل وهما يسبوا فيه''· ولم يفوت خبراء المقاهي من ملاحظة غياب المحلل الجزائري فندوز عن البرنامج، في إشارة إلى أنه ضيع فرصة إبداء فرحته بفوز ''الخضر'' بالرغم من الانتقادات التي قدمها للطاقم الفني· أمام مثل هذا التفاؤل بات الشارع الجزائري يحلم بالمزيد من خلال الاستمرار في الفوز مادام الأصعب تم تجاوزه، فقد بات حلم الحصول على الكأس مشروعا بل وممكنا، غير أن البعض ممن تحدثنا إليهم أبدوا عدم استعدادهم للعيش على الأعصاب مرة ثانية في إشارة إلى الاكتفاء بهذا القدر، مثلما أكدته السيدة نجاة الصيدلية التي أكدت أن فوز أول أمس والتأهل للمونديال كفيل بمنح الاحترام للفريق الوطني، مؤكدة في ذات الوقت أنه لو سمع زوجها كلامها لانفجر غاضبا، معتبرا أنه كلام سلبي لا يجوز التفوه به· وسواء تحقق الفوز بالكأس أم لا، يبقى المؤكد أن الجزائريين حظيوا بنصيب من الفرحة وتوتر الأعصاب والشعور بنشوة الانتصار في أم درمان ومع ساحل العاج، إذ يكفيه شرا أنه دافع عن الألوان الوطنية مرة لرد الاعتبار والثانية للتأكيد على الجدارة· ولا مانع في أن تكون الثالثة للشعور بجرعة إضافية من الفرحة قبل أن تنتهي الدورة الإفريقية ويعود كل واحد لمشكلات الحياة اليومية·
المفضلة
إرسال إلى صديق
المشاهدات: 514 إقرأ أيضا:
التعليقات
(9)
|