جون ميلتون.. PDF طباعة إرسال إلى صديق
الثلاثاء, 24 سبتمبر 2013 18:33

هي فعلا منارات مضيئة في درب الظلام المطبق من كل الجهات، هم أولئك الذين تمردوا على ما فرض عليهم من عتم دامس يعيشون فيه طوال أيام الحياة، لينيروا الطريق لسواهم من بني البشر، وليقدموا إليهم، من هناك، من منطقتهم المعتمة ضيقة المساحة واسعة الامتداد، ما جادت به محاولات بذلوها للنظر من زاويتهم غير المألوفة لسواهم من أبناء جلدتهم وإخوانهم.

حظي ميلتون بشهرة واسعة في زمنه وفي القرون التي تلته، ولم تقتصر شهرته على الشعر وغزارته وتفرده، بل كان أيضا مفكرا وسياسيا ورجلا متدينا وداعيا إلى حرية الرأي والمساواة، وموسيقيا وملحنا موهوبا ومجادلا عنيفا. ولا ينافسه في صدارته الشعر الإنجليزي في عبقريته وسعة خياله وقدراته اللغوية وغزارة إنتاجه أحد سوى وليام شكسبير. أعلن ميلتون في قصائده وكتاباته النثرية “أن العقل الذي منحه الله للإنسان تظهر آثاره في قدرة الإنسان على الاختيار، ومن هنا فإن الفضيلة تعتمد على مدى قدرة الإنسان على تبني اختيارات صحيحة”.

ولد ميلتون في 9 ديسمبر 1608، وتعلم اللاتينية واليونانية في سنوات دراسته الأولى. تخرج من جامعة كامبردج، وبعد حصوله على شهادة الماجستير لم يتوقف ميلتون عن نهل المعرفة، فكان يرتاد كل يوم مكتبة عامة أصبحت فيما بعد “المكتبة البريطانية” فطور معرفته في علوم الدين والفلسفة والتاريخ والأدب والعلوم استعدادا لكتابة أعمال مستقبلية، وجعلته تلك القراءات المكثفة المتنوعة واحدا من أبرز الشعراء ذوي المعرفة الواسعة ولعله أكثرهم معرفة باللغات فقد أجاد اللاتينية واليونانية والفرنسية والإسبانية والإيطالية إضافة إلى اللغة الإنجليزية القديمة، وكانت آخر لغة تعلمها هي الهولندية، وأجاد جون ميلتون أيضا في توظيف الأساطير القديمة في أشعاره الدينية ومنها “الأعمال الإلهية والأيام”، لكنه تميز عما سبقه في نظرته إلى الإنسان واحترامه لا في تصويره على أنه مخلوق جاهز للخطيئة.

قام ميلتون برحلة إلى فرنسا وانتقل بعدها إلى جنوا وبيزا قبل أن يصل فلورنسا، ومن هناك سافر إلى روما ونابولي والبندقية والتقى بكبار الشعراء والفنانين والعلماء ومنهم غاليلو، لكن أخبار الحرب الأهلية في إنجلترا اضطرته للعودة إلى بلاده ليشارك في تلك الأحداث التاريخية. كادت تلك الاضطرابات التي امتدت من 1640 إلى 1660 أن تقسم إنجلترا بسبب موقف الملك تشارلز الأول وتأييده لسياسات الكنيسة الإنجليزية ضد مطالب التطهيريين أو الداعين إلى تقليص نفوذ الكنيسة خاصة من أعضاء البرلمان، فحدث الاصطدام واندلعت الحرب في 1642، وكانت النتيجة أن أعدم الملك وشكل البرلمان حكومة برئاسة أوليفر كرمويل كانت مهمتها التمهيد لحكم جمهوري لقطع الطريق على ولي العهد الذي فر إلى فرنسا وتوج نفسه باسم تشارلز الثاني. وعند عودة جون ميلتون، تم تكليفه بمهام الإعلام وصياغة بيانات باللغة اللاتينية موجهة إلى الأوروبيين نقل فيها ميلتون آراءه المناهضة لسياسة الكنيسة واحتمالات عودة تشارلز الثاني إلى الحكم وتأييده المطلق لحق الشعب في اختيار الحكومة التي يريدها، لكنه كان معترضا على إعدام الملك تشارلز الأول وكتب عنه قصيدة يصفه بالشهيد المسيحي البريء. ولعل ذلك الموقف هو ما شفع له عندما استرد تشارلز الثاني الحكم وبدأ بمحاكمة الثوار ومؤيديهم الكبار ومن ثم إعدامهم، فلم يصب ميلتون بأي أذى وأخلى سبيله بعد القبض عليه، إضافة إلى أنه في تلك الفترة قد فقد بصره تماما نتيجة كثرة المطالعة والكتابة.

بدأ ميلتون بعد فقدانه البصر بكتابة ملحمته عام 1658 وانتهى منها عام 1664، وعكس فيها خيبته من فشل الثورة، لكنه في نفس الوقت يؤكد على تفاؤله غير المحدود بالإمكانيات البشرية. ورغم جهده الكبير في كتابة “الفردوس المفقود” في 12 جزءا، فإنه رضخ للثمن الذي عرضه الناشر لشراء حقوق نشر العمل الضخم وهو عشرة جنيهات فقط، وهو سعر لم يكن غريبا في ذلك الحين! تروي “الفردوس المفقود” قصة الخلق وتمرد إبليس وغواية آدم وخروجه من الجنة كما وردت في الإنجيل، لكنه يصبها في تفاصيل على طريقة الإغريق واللاتينيين القدماء في تصويرهم للملاحم التاريخية القديمة كالإلياذة والأوديسا، وأسلوبهم المأساوي المؤثر، لكنه جدد في الصياغة والأفكار. وكتب بعدها “الفردوس المعاد”، وهي ملحمة قصيرة في أربعة أجزاء وتحكي صعود السيد المسيح، و«شمشون المصارع” وفي هذه الأعمال الثلاثة استخدم ميلتون الشعر المرسل. أما قصائده في الحب فقد كانت عذرية أفلاطونية ولم يتطرق إلى الغريزة الجنسية على العكس مما كان سائدا في زمنه، ومرد ذلك إلى تشبعه بالتعاليم الدينية.

تركت أعمال جون ميلتون أثرها على منجزات الشعراء الذين جاؤوا من بعده، وحتى المتأخرين منهم أمثال جورج إليوت وتوماس هاردي.


التعليقات (0)add
أضف تعليق

busy
 

Offre d'Emploi

Express News recrute collaborateurs et prospecteurs de PUB sur le territoire nationale.

Tél : 0560 19 49 39

النشرة الإخبارية

تسجيل

الخميس 24 أفريل 2014
حاليا يتواجد 1698 زوار  على الموقع