السلفيون بين الفيلم المسيء.. وفيلم مواجهة مرسي PDF طباعة إرسال إلى صديق
الأربعاء, 12 سبتمبر 2012 21:28

لم تكن الذكرى الحادية عشر لأحداث 11 سبتمبر التي استهدفت برجي التجارة العالمي، لتمر هذه المرة دون أن تثير زوبعة جديدة في العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية، والتيار الإسلامي المتصاعد في المنطقة، خاصة التيار السلفي منه، فما أن أعلن القس الأمريكي “تيري جونز” عن شروعه في إنتاج فيلم يسيء للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، حتى بدأت استعدادات هذا التيار لمواجهة هذا التصرف، الذي قيل إن بعض الجاليات القبطية (المصرية) في الولايات المتحدة الأمريكية تدعمه، وتساهم في ما سمي بمرافعة ضد محمد.

روبورتاج: مراسل الجزائرنيوز محمود أبو بكر/ القاهرة

كان مساء أول أمس عاديا هنا في العاصمة المصرية القاهرة، حيث لم يتوقع أحد وقوع أحداث كبرى، عدا تلك الذكرى المتعلقة بيوم “الفلاح” الذي استحدثه الرئيس محمد مرسي بعد أن كان تم إيقاف الإحتفال به منذ عصر أنور السادات..

نهارا كان مرسي يخطب في الجمعيات والنقابات الممثلة لفئة الفلاحين، بإحدى القاعات، في خطاب متلفز تناول فيه معظم القضايا التي تشغل بال المصريين، وربما لسبب أو لآخر، كان مرسي حريصا على انفتاح “مصر الجديدة” ما بعد الثورة، مع كافة الدول بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وفي إشارات لم تخلوا من التلميح، أكد مرسي أن نظامه لن يستثني أحدا من قائمة علاقاته غربا وشرقا وشمالا وجنوبا، وكانت الإشارة قد اعتبرت ردا على التسريبات الإعلامية عن مشاركة الإخوان في قلءا حضره إسرائليون مؤخراً، وبين ذلك الخطاب الذي وصف بـ “الديبلوماسي” وتفجر الأوضاع أمام محيط السفارة الأمريكية، كانت مياه كثيرة قد جرت تحت جسر الحركات الإسلامية التي دعت رفقة عدد من التيارات السياسية والحركات الثورية، إلى تنظيم وقفة إحتجاجية، أمام السفارة الأمريكية، وذلك للاحتجاج على ما أعلنه القس” تيري جونز” وبعض أقباط المهجر،عن اعتزامهم إعداد فيلم عن الإسلام والرسول محمد - صلى الله عليه وسلم-.

المخابرات حذرت والسفارة أدانت الفيلم

قبل ذكرى الحادي عشر من سبتمبر، كانت عدة صحف مصرية قد نقلت تحذيرات أمنية كانت قد أصدرتها المخابرات العامة المصرية، لحكومة الدكتور هشام قنديل، تؤكد فيها رصدها تحركات جدية لاستهداف السفارتين الإسرائيلية والأمريكية، وهي التحذيرات التي يبدو أن الجهات الأمنية الأخرى لم تأخذها بالجدية التي تستحقها.

وهو ما دعا ربما السفارة الأمريكية بالقاهرة، الإثنين الماضي إلى إصدار بيان رسمي تعرب فيه عن إدانتها لما سمته “التحريض الديني”، واستمرار محاولات بعض “المضَللين الأمريكيين” إيذاء مشاعر المسلمين الدينية، وذلك في إشارة إلى الفيلم المسيء للرسول. وقالت السفارة، في بيان صحفي صادر عنها، الإثنين الماضي: “تدين سفارة الولايات المتحدة في القاهرة استمرار محاولات بعض الأفراد المضَللين إيذاء مشاعر المسلمين الدينية. كما ندين محاولات الإساءة للمؤمنين من جميع الأديان”.

وأضاف البيان: “اليوم في الذكرى السنوية الحادي عشرة للهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر 2001، يكرّم الشعب الأمريكي مواطنينا الوطنيين الذين يخدمون أمتنا كرد مناسب على أعداء الديمقراطية. إن احترام المعتقدات الدينية هو حجر الزاوية للديمقراطية الأمريكية”. واختتم البيان مؤكدا: “نحن نرفض بشدة أفعال من يسيئون استخدام الحق العالمي لحرية التعبير للإساءة للمعتقدات الدينية للآخرين”.

كما سعت الكنيسة الأرثوذكسية المصرية الإثنين الماضي، للإعلان عن موقفها في بيان رسمي أصدره الأنبا باخميوس، القائ مقام البطريرك، تبرؤها من صانعي الفيلم، واصفة إياهم بـ “المتطرفين”، كما استنكر عدد من الشخصيات الدينية والسياسية والعامة الإقدام على إهانة الرسول وإنتاج هذا الفيلم المسيء.

إلى هنا كانت الأمور تبدو أن الوضع يمكن السيطرة عليه سيما بعد صدور بيانات الإدانة من قبل مؤسستي تمثلان الطرفين المشاركين في الإساءة.. الأمريكيين والأقباط، لكن ثمة أمور غير محسوبة كانت تنشط تحت صفيح ساخن.

السفارة قبلة السلفيين وبعض الناشطين

ويبدو أن بيان السفارة الأمريكية والكنيسة القبطية المصرية، ولا حتى خطاب مرسي المتلفز، لم يثنِ السلفيين من القيام بما خططوا له مسبقا حيث توافدت أعداد كبيرة منهم تتجاوز الثلاثة آلاف متظاهر نحو حي “غاردن سيتي” حيث مقر السفارة الأمريكية، بالإضافة إلى بعض الحركات الثورية، ورابطة مشجعي فريقي الأهلي والزمالك القاهريين.

وحتى وقت متأخر من المساء، لم تكن الأوضاع تشي بالتدهور، حيث بدت المظاهرة سلمية، ومحكومة بضوابط محددة، تمثلت في رفع الشعارات وإدانة منتجي الفيلم الأمريكي، فضلا عن بعض الصور لضحايا حرب الولايات المتحدة الأمريكية ضد ما يسمى بالإرهاب، وصور أخرى للمعتقل الإسلامي في الولايات المتحدة، الشيخ عمر عبد الرحمن (القيادي السلفي) وأعلام مصرية وأخرى فلسطينية. إلا أن انضمام المزيد من المتظاهرين من ذوي الخلفية السلفية، بعد صلاة العشاء، قد زاد المشهد توترا، حيث توافد “ذوي اللحى والجلابيب” بشكل ملفت، وبدأت التكبيرات تصدح من ميكروفونات مثبتة على مركبات تحمل العلم الأسود موشوما عليه عبارة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله”!

وبدأ الجمع يزحف نحو محيط السفارة بشكل استثار حيطة قوات الأمن التي كانت تحيط بالمبنى، وأمام زحف المتظاهرين الذين تجاوزت أعدادهم عدة آلاف وتقهقر القوات المؤمنة للسفارة، صدحت أصوات المتظاهرين بالتكبير وبإدانة “أقباط المهجر” والرئيس الأمريكي باراك أوباما. وعلى عكس ما يحدث غالبا أمام السفارات الأجنبية والعربية بالقاهرة، كما هو الحال بالنسبة للأحداث المتكررة التي تشهدها السفارة السورية، التي غالبا ما تواجه فيها قوات الأمن المتظاهرين بشراسة وحسم، بدت الأوضاع أمام سفارة واشنطن، أقل تأمينا وحرصا على المواجهة، حيث تساقطت حصون الشارع، وبدت السفارة كما لو كانت تسقط في أيدي السلفيين الذين تسلق بعضهم مبنى السفارة بيسر غريب حتى امتدت يد أحد الشباب إلى سارية العالم الأمريكي، وقام بنزعه قبل أن يتم إحراقه وسط تكبيرات المتظاهرين، في حين تم تعليق العلم الأسود الموشوم بعبارة: لاإله إلا الله محمد رسول الله “الأمر الذي أثار حماس المتظاهرين الذين رفعوا أصواتهم ضد الولايات المتحدة وسياساتها، وضد القس الأمريكي وأقباط المهجر.

لم يكن المشهد يختلف كثيرا عن تلك الأحداث التي شهدتها السفارة الإسرائيلية بالمنيل غثر مقتل جنود مصريين على الحدود المصرية الإسرائيلية المشتركة بعد سقوط نظام مبارك، حيث تسلق أحد المتظاهرين للطابق الذي تقع فيه السفارة وقام بنزع العلم ونصب علم مصر مكانه، وهو الأمر الذي اعتبر عملا بطوليا وتم تكريم المتظاهرين من عدة جهات واحتفى به الناشطين وبعض مرشحي الرئاسة حينها.

الأمريكية ساحة الصراع بين مرسي والسلفيين

وحسب مؤشرات كثيرة ظل يرصدها المراقبون، فإن أحداث “السفارة الأمريكية” لم تكن تتعلق فقط بإدانة الفيلم المسيء للنبي، فتلك الإدانة سبق وأن صدرت من السفارة نفسها، وعلى أي حال لم تكن إدارة أوباما هي التي أنتجت الفيلم، بل إن الأمر كان أبعد من ذلك، حيث يرى الكثير من المحللين السياسيين أن هذه الأحداث التي وقعت أول أمس، لم تمثل فيه السفارة سوى ساحة المعركة الأولى بين السلفيين والإخوان المسلمين، حيث بدوا أن شهر العسل الذي كان بين الطرفين قد بدأ في الأفول! مؤشرات هذا التحليل أضحت واضحة - حسب كثير من المتابعين-، سيما بعد أن نقض الرئيس الإخواني محمد مرسي الذي دعمه السلفيين في انتخابات الرئاسة، وعده بتطبيق الشريعة الإسلامية، حيث أكد أكثر من مرة أمام الرأي العام (آخرها في لقائه مع المثقفين والفنانين) التزامه بالدولة المدنية، ورفضه للدولة الدينية والعسكرية على حد سواء، فضلا عن لجوئه ألى الاقتراض من صندوق النقد الدولي (وهو القرض الذي يحرمه السلفيين ويعتبرونه ربا)، بالإضافة إلى موقفه من عدد من القضايا كحرية التعبير وقدسية الفن المصري، ومساندته للفنانة إلهام شاهين (الممثلة المصرية الشهيرة) التي تعرضت مؤخرا لحملة شرسة من قبل شيوخ سلفيين، أما أهم  ساحات الصراع فتمثلت في العمليات العسكرية التي يقودها الجيش المصري لتطهير سيناء من المتطرفين الإسلاميين في إطار ما يسمى بـ “عملية النسر” لتطهير سيناء من الإرهاب.

وقد بدا جليا أن تلك المعركة التي أكد مرسي قيادته لها تجري على خلاف هوى السلفيين، حيث أعلن أحد قادتهم السياسيين الأكثر شهرة (حازم أبو إسماعيل المرشح السابق للرئاسة)، عن رفضه لتلك الحملة التي اعتبرها أنها موجهة ضد التيار السلفي!

وبالتالي فإن اقتحام مبنى السفارة كان خلفه أهدافا سياسية داخلية، تعبر عن التجاذبات التي بدت تطفوا على السطح بين السلفيين والإخوان المسلمين (الحاكمين). وقد تكون مقدمة لصراع طويل ومكلف بين الطرفين المنتمين للتيار الإسلامي. وهو الصراع الذي ظل يحذر منه الكثير من السياسيين.

من يتبنى ومن يتبرأ من واقعة السفارة

وبالرغم من أن الداعين والمشاركين في هذه المواجهات معروفين سلفا، فإن تفجر الوضع لحد اختراق سيادة الولايات المتحدة داخل سفارتها قد حدا بالبعض إلى تصوير الأمر كما لو كان “غير مدبر” وأنه ناتج حماس زائد من قبل المتظاهرين الذين هالهم مشهد الإساءة للرسول الكريم. وعلى رأس هؤلاء المبررين “نادر بكار” المتحدث باسم حزب النور السلفي الذي قال إنه ضد احراق العلم أو نزعه أو اقتحام السفارة، لكنه برر الأمر بأنه عبارة عن ردة فعل طبيعية نظرا للحماس من أجل الدفاع عن الرسول الكريم، وفي حين أشاد ببيان السفارة الأمريكية بالقاهرة التي أدانت الفيلم فإنه ذكر بأن البيان أتى متأخرا ولم يسمع به أحد وبالتالي لم يساهم في تخفيض حدة الغضب الذي اعترى المسلمين - حسب قوله -. وبقدر ما بدا تصريح بكار محاولة لتبرأة حزب النور (أحد أكبر الأحزاب السلفية والقوة الثانية في البرلمان المحل) من الأحداث، فقد أكد أنه لجأ للتبرير أكثر من التنصل من خلال هذا التصريح الذي أدلى به لأحدى القنوات الفضائية ساعات بعد الأحداث.

فيما أعرب الناشط السياسي (وأحد قيادات الثورة الشبابية) وائل غنيم، رفضه لأحداث محيط السفارة الأمريكية، ردا على الفيلم المسيء للرسول، خصوصا وأن توقيت تلك التظاهرات والاشتباكات جاء في ذكرى 11 سبتمبر الأليمة على الأمريكيين، والتي عززت من انتشار الإسلاموفوبيا في الغرب فضلا عن كونها أساءت للإسلام والمسلمين، حسب قوله.

وأكد غنيم في تدوينة له على الفيس بوك، أن الفيلم لم ولن يعرض أساسا في 11 سبتمبر في أي وسائل إعلام أمريكية، ولا يوجد مصدر واحد لمثل هكذا خبر سوى بعض وسائل الإعلام العربية التي انساقت للشائعات”. وخاطب غنيم المشاركين في الاقتحام  بالقول: “لا تكونوا جنودا بحسن نية في حملات تسويقية للإسلاموفوبيا (التخويف من الإسلام)، فإذا كنت أنت ترى أن من الغيرة على هذا الدين أن تبرر ما يحدث أمام السفارة الأمريكية، فأنا أيضا من منطلق الغيرة على هذا الدين وحرصي على صورة الإسلام والمسلمين عند أكثر من 5 مليار غير مسلم معرضون يوميا لوسائل إعلام تعمق لديهم ظاهرة الإسلاموفوبيا”.


إقرأ أيضا:


التعليقات (0)add
أضف تعليق

busy
 

الأكثر قراءة