الجزائر نيوز يوم: الخميس 17 ماي 2012 م، الموافق لـ 26 جمادة الثاني 1433 هـ
شبكات باعة الشاي المتجولين .. تميمون ترحل إلى الجزائر العاصمة PDF طباعة إرسال إلى صديق
الاثنين, 11 أبريل 2011 18:49

رجال سمر البشرة، يحملون الأباريق ويطاردون الزبائن من شارع إلى شارع· إنهم باعة الشاي، القادمون من مختلف مناطق الصحراء، وأصبحوا يقسمون الجزائر العاصمة ومختلف مدن الشمال إلى مناطق نفوذ لهذه القرية أو تلك من قرى الجنوب· فماذا عن شبكات باعة الشاي هذه؟

يتردد في ذكر اسمه، ربما خوفا من أن السائل من أعوان مصالح الضرائب أو ما شابه ذلك، فهو متوجس من هذا الجانب، لكنه بالمقابل لا يتردد في الحديث عن البلدة التي جاء منها· إنه من ''زاوية دباغ''، تلك البلدة التي تبعد عن تميمون بولاية أدرار بحوالي سبعين كيلومتر، وتحمل شعبيا اسم الزاوية الصوفية التي تقع فيها، مع أن اسمها الرسمي هو ''تينركوك''· ورغم بعده عن بلدته بحوالي 1500 كيلومتر، إلا أنه لا يشعر عمليا بالغربة، لأنه يبيت يوميا وسط أهله، لكن في الحراش، حيث يتجمع القادمون من المنطقة نفسها (زواية دباغ)، والكثير منهم أهل وأقارب في بيت واحد في حي الحراش الشعبي، يبيتون هناك ويعدون أباريق الشاي وفي الصباح، يتوجه كل منهم إلى سبيله ولا يعود للبيت إلا بعد أن باع كميته ويستعد ليوم آخر·

وعادة ما يجتمع باعة الشاي القادمين من ''زاوية دباغ'' ليلا على كؤوس الشاي، لكن بطريقة غير الطريقة التي يعدون بها ذلك الموجه للمستهلك العاصمي أو الشمالي عموما، فهم يبيعون شايا ''خفيفا''، لكنهم يشربون آخر وعلى ثلاث دفعات معروفة في منطقتهم وفي عموم الصحراء· إنه الشاي الذي يعد على جمر أمام جموع الساهرين، ويشرب على ثلاث دفعات في ثلاث كؤوس، وتتراوح الكؤوس بين ثقيل جدا ويميل إلى الخفة مع كل كأس· وعلى غرار مناطق جنوبية أخرى، يتسلى المتسامرون مع الشاي بلعبة الكلمات المصاحبة لرشف الكؤوس، حيث لكل كأس ''جيم''، جمر ثم جماعة ثم جر والجر هو الحديث الذي يجر بعضه بعضا·

مناطق نفوذ

أصبحت منطقة الحراش وما جاورها حكرا على باعة الشاي المتجولين القادمين من منطقة زاوية دباغ دون سواها، بحكم أنهم السبّاقون الذين جاؤوها منذ سنين طويلة، وحسب بعض الباعة فإن الأمر لا يتعلق بصراع عنيف بين مختلف القادمين من ضواحي أدرار وتيميمون وما جاورها بقدر ما يتعلق باحترام منطقة نفوذ كل واحد· فللقادمين من مدينة تميمون مناطق نفوذها، كذلك الأمر ينطبق على ''أولاد سعيد'' وغيرهم، ويتعدى الأمر الجزائر العاصمة إلى كبرى مدن الشمال مثل وهران وتيزي وزو وقسنطينة وجيجل وسطيف وسكيكدة وعنابة ومستغانم وغيرها والتي تحوّلت إلى مناطق جالبة للرزق لأولئك الذين يسافرون إليها قاطعين مئات الكيلومترات· ورغم أن بائع الشاي يسهب في حديثه عن خارطة نفوذ باعة الشاي في مختلف أنحاء وضواحي العاصمة وكبرى المدن الشمالية، إلا أنه يتحفظ ويتهرب من الحديث عن المكاسب المادية اليومية، ويكتفي بترديد عبارة ''الحمد لله'' و''نكسبوا الشيء اللي كتّبولنا ربي'' وهي العبارة التي يكررها في كل مرة·

 

شاي لايت

رغم أنهم يحملون أباريق الشاي الكبيرة ويتجولون بها من مكان إلى آخر، ولا يترددون حتى في مطاردة الزبون على الطريق السريع، عند حي الموز ومدخل الجزائر العاصمة من ناحية باب الزوار مثلا، خاصة عندما تكون الزحمة كبيرة، إلا أنهم لا يشربون من ذلك الشاي، لا لسبب إلا لأن ذلك الشاي هو معد خصيصا للمستهلك الشمالي، إنه ''شاي لايت'' تلك الكلمة التي يسمعها أحدهم فتعجبه وينفجر ضاحكا· إنه ''شاي لايت فعلا''، أقل كثافة من الشاي الصحراوي، وأكثر كمية من السكر· ورغم ذلك فإن بعض الزبائن يجدوه أكثر كثافة من الشاي العادي الذي يصفه أهل الصحراء بالماء المحلى لأنه حسب رأيهم يفتقد إلى أدنى مقومات الشاي الحقيقي ولا يمكن أن يشربه أحدهم بأي حال من الأحوال·

ولا يتورع باعة الشاي في تدليل الزبون العاصمي والشمالي عموما في تقديم أي شيء مصاحب للبضاعة، مثل النعناع الذي لا يستعمله أحدهم هناك، لكنهم يشترون كميات منه يقدمونها مع الكأس إذا طلب الزبون ذلك وعادة ما يطلب منه بعض الأوراق يضعها في كأس ''الجوطابل'' التي وجدها الباعة عملية جدا، عوضا عن الكؤوس الزجاجية التي تضطر البائع للجلوس في مكان معين، يقدم الشاي تارة ويغسل الكؤوس تارة أخرى ويضطر في كل مرة إلى الاستعانة بماء جديد حتى لا ينفر الزبائن مما قد يرونه من تقصير في النظافة·

 

شاي على الطريقة الملكية

وبدا أن طريقة بيع الشاي في الطرقات غير كافية، بالنظر إلى كثرة الطلبات على هذه السلعة· ومن هنا فكر البعض خاصة ممن أصبحت لهم رؤوس أموال مهمة إلى حد ما في فتح محلات، تشبه قاعات الشاي العصرية، لكنها تحاول المزج بينها وبين تقاليد شرب الشاي في الصحراء بالطريقة التقليدية· مثلما فعل صاحب محل ''شاي تميمون'' في منطقة برج الكيفان بضاحية الجزائر العاصمة الشرقية· إنه المحل الذي على صغره يستقبل زبائن كثيرين في كل حين، مع أنه لا يتوفر على كراسٍ أو قاعة كبيرة للجلوس· لكن صاحبه اختار له صورا من منطقة تميمون بكل خصوصياتها الجغرافية والعمرانية، حتى يشعر الزبون أنه في تميمون فعلا· وعندما يستقبلنا البائع يرفض الكثير من الإجابة المتعلقة بالمردود المالي اليومي، بحجة أنه يقف هناك مكان صاحب المحل الغائب، وأنه جاء حديثا جدا من ''لبلاد''، لكنه مقابل ذلك لا يتورع في الحديث عن طريقة تحضير الشاي وفق مختلف الطرق وخاصة هذه الطريقة التي تروق لأهل الشمال مع التركيز على خفة المحلول شيئا ما وتقديم أوراق النعناع معه· لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فكأس الشاي الذي يباع بـ20 دينارا جزائريا كحد أدنى قد يصل في بعض الأحيان إلى 100 دينار، عندما يتم تقديم كأس شاي كبير نسبيا مع العسل والليمون وبعض المكسرات· إنه الشاي على الطريقة الملكية التي يحرص بعض الزبائن الميسورين على تناوله في ذلك المحل وفي غيره من المحلات التي أصبحت تفتح في أحياء متفرقة من الجزائر العاصمة·

والبائع في محل ''شاي تميمون''، الذي يرفض بلباقة الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالمدخول المادي للبائع الجوال والبائع في المحل، ورغم تأكيده على أنه جاء حديثا جدا إلى الجزائر العاصمة، إلا أنه بدا محترفا في صب الشاي وحتى معرفة خارطة الباعة القادمين من مختلف أنحاء الصحراء وبالخصوص من ضواحي تميمون، حيث يؤكد أنه يعرف الكثير من الباعة في مختلف الأحياء العاصمية وحتى مدن شمالية أخرى كجيجل وتيزي وزو وبجاية وعنابة وغيرها· ويقول بأن أحياء الجزائر العاصمة مقسمة بشكل توافقي بين مختلف منطق ضواحي تميمون وأدرار· وحتى محلات شاي الصحراء فهو يعرف بعضها ويعددها· ولا يتوقف المحل عند تقديم الشاي فقط، فهو ومع ديكوره التقليدي المغري، يقدم سلعا مرافقة أخرى منها قلب اللوز والعسل ذا النوعية الجيدة ومكسرات من قبيل اللوز والفول السوداني والفستق وجوز الهند وغيرها·

 

أرقام غير رسمية

ومع أن الباعة في عمومهم لا يتكلمون عن دخلهم اليومي ولا نعرف إن كان ذلك خوفا أو تواضعا، فإن بعضهم يقول بأنه يربح في اليوم ما بين ألف دينار وألف وخمسمائة دينار جزائري إذا حالفه الحظ في ذلك· إنه الدخل المعقول في نظر الكثير نظير الجهد العضلي والنفسي اليومي مع حر وقيظ الصيف وبرد ومطر الشتاء· لكن هذا الرقم لا يصدقه البعض من الحاسدين الذين يحاولون التأكيد على أن بعض باعة الشاي القادمين من تميمون وما جاورها يكسبون أضعاف ذلك، إلى درجة أن الكثير منهم أصبحت له أملاك في بلده· ووسط انتشار هذه الإشاعات، يطارد الكثير من الباعة زبائنهم في كل مكان ولا يتورعون حتى في اقتحام الطريق السيار عند زحمة الحواجز الأمنية خاصة·

روبورتاج: الخير شوار


التعليقات (0)add
أضف تعليق

busy