| من بناءات القصدير إلى ''فيطوهات'' التهميش |
|
|
|
| الأربعاء, 01 سبتمبر 2010 23:18 |
|
سامية بلقاضي
كانت الوجهة لأحد الأحياء الجديدة ببلدية السويدانية، التي استقبلت وفودا من المرحلين ليجدوا أنفسهم بعيدا عما ألفوه، الأمر الذي اضطرهم للبحث عن مرجعيات ومعالم جديدة، كانت بداية الحديث مع سيدة في نهاية العقد الثالث من عمرها، أم لأربعة أطفال، تقطن رفقة أطفالها وزوجها ووالديه وإثنين من أشقائه في شقة من ثلاث غرف· بالرغم من سعادتها بالجو النظيف للبيت الجديد، إلا أنها لا تخفي قلقها من الغد، إذ تؤكد أن الانتقال من البيت القصديري حسّن حياتها من ناحية النوع وليس الكيف: ''بصراحة الشقة الجديدة أنظف وتتوفر على المرافق اللازمة، ففي البيت القصديري لم نكن نتوفر مثلا على غرفة الاستحمام، إذ كنّا ننتظر خروج الرجال للاستحمام في الغرف، أما الرجال فكانوا يقصدون الحمامات العمومية. أما اليوم فنتوفر على مطبخ وحمام وغيرها من المرافق، قد يبدو عاديا للكثيرين أن تكون لديهم شرفات لنشر الغسيل، لكن بالنسبة لنا أمر جديد نسعد به في كل مرة''· هذا الحديث عن التحسن النوعي في الإقامة يشوبه كلمة ''لكن''، حيث تسارع في القول أنها كانت تفضّل أن تحصل على شقة منفردة لها ولعائلتها الصغيرة: ''بصراحة نحن شاكرين ونحمد الله على هذه النقلة النوعية في حياتنا، لكننا بعد ما يقارب ستة أشهر من السكن في العمارة الجديدة بدأنا نعرف مشكلات من نوع آخر مع ضيق المسكن، فنحن عائلة مكونة من حوالي ثمانية أشخاص، في حين أن الشقة أنشئت لإيواء أربعة أفراد على الأكثر''· الواقع هذا هو لبّ الموضوع، فقد وجدت الكثير من العائلات المرحّلة نفسها تعيش ضيق المسكن بشكل آخر، الأمر الذي جعل خبراء التخطيط العمراني يحذرون من احتمال تشكيل هذه الأحياء الجديدة على المدى المتوسط لأحياء خطيرة، على اعتبار أنه سيعاد نموذج الأحياء القصديرية بذات الفوضى، وهو ما يذهب إليه بن يوسف حسان، مختص في علم الاجتماع الذي يرى أن الإشكال لا يكمن في ترحيل السكان من مكان لآخر بقدر ما يكمن في القدرة على خلق رباط بين البشر والمكان، في إشارة إلى ضرورة توطيد المرحلين وخلق سبل تأقلمهم: ''لا يمكن الاستهانة بنقل أفراد قضوا معظم حياتهم في مكان ليجدوا أنفسهم في مكان آخر، نحن اليوم أمام صراع ذهنيات، على اعتبار أن المرحّلين بالرغم من الترقية في نوعية السكن، إلا أن جزءا كبيرا منهم يعيشون الترحيل على أنه عقوبة، سيما في نظر الشباب الذي ينظر أنه تم إخراجه من محيطه الطبيعي في قلب الأحياء الشعبية ليجد نفسه على أطراف المدينة، في حين يعتقد السكان المحليين أن المرحّلين دخلاء يشكلون تهديدا على الروتين النمطي الذي عهدوه في حياتهم، من هنا يتجسد صراع الذهنيات، حسب اعتقادي، الترحيل الجماعي لأحياء بأكملها ساهم في خلق جو مشحون قابل للانفجار، حيث وجدت العصبية القبلية فرصة لتعبّر عن نفسها بشكل سلبي لأتفه الأسباب''· في السياق ذاته، يقر الخبير الاجتماعي أنه في حال لم تتدارك السلطات العمومية مثل هذه المؤشرات، فإن الوضع قابل للتطور نحو تكريس العنف في هذه الأحياء، مشيرا إلى أنه: ''لا بد من مراعاة النسيج العمراني في المناطق التي تنشأ فيها هذه الأحياء، إذ يفترض التوسع مع احترام خصوصية المكان والإنسان والعمل على توزيع السكان الجدد بشكل سلس لا يخلق طبقات اجتماعية ولا فروق، بعبارة أخرى من غير الممكن خلق غيتوهات معزولة عن محيطها، فبعد مرور ستة أشهر من الترحيل ما نزال نسمع أن الشباب المرحل يضطر للنزول لحيه القديم لأنه لم يتمكن من خلق مرجعيات جديدة في مكان إقامته، ما يعني أنه يكرّس تلك النظرة على أنه دخيل على المكان، وهو أمر بصراحة غير مقبول، فنحن نرى اليوم أفرادا يغيّرون بلدانهم وليس أحياء وسرعان ما يتأقلمون ويجدون لأنفسهم معالم حياة جديدة، مواصلا حديثه. لا يخفي الدكتور بن يوسف قلقه من استمرار الوضع على ما هو عليه، إذ يعتبر أنه المشكلة الوحيدة التي تم حلّها هي تلك المتعلقة بنوعية السكن، أما بقية المشكلات الاجتماعية كتفشي البطالة، كثرة أفراد العائلة في بيوت صغيرة وغيرها ظلت على حالها، ما يعني إمكانية نقل كل الممارسات السلبية التي كانت منتشرة في الأحياء الشعبية، الأمر الذي يفاقم الصراع بين المرحّلين والسكان المحليين، مثلما هو الحال مع انتشار تجارة الخدرات والسرقات، مع العلم أن الدكتور يصر على أنه يكفي أن ينتشر خبر حادثة سلبية واحدة حتى يتكرّس الصراع وتستمر السمعة السيئة للشباب القادم من الأحياء الشعبية. وإن كان التعميم خاطئا، إلا أن هذه الأخبار تخلق سدا منيعا يصعب التخلي عنه· هكذا يبدو أن الأحياء الجديدة باتت في نظر الخبراء خطرا محدقا يهدد سلامة السكان، وهو ما تكشفه أحداث العنف التي وإن بدت متفرقة إلا أنها مؤشر على مدى خطورة الوضع، فقد كشفت السيدة التي سبق لنا الحديث معها أن ابنتها التي تدرس بالمرحلة الابتدائية، سنة الخامسة لم تتمكن من الحصول على صديقات جدد عدا اللائي كانت تعرفهن من قبل الترحيل، في تلميح لأن: ''هناك من الأهالي من يمنع أطفاله من الاختلاط بسكان القصدير''·
اسماعيل بن صيام، خبير عمراني لـ ''الجزائر نيوز'': لا يكفي بناء السكنات لابد من التفكير في توسعها بعد 20 سنة
في حديث خص به ''الجزائر نيوز''، تطرق الدكتور اسماعيل بن صيام، الخبير العمراني والأستاذ المحاضر بجامعة نيس الفرنسية، لمشكلة العمران في الجزائر، مشيرا إلى أن العمران لا يقتصر على تشييد السكنات بقدر ما يهتم بتطور هذه البنايات في سياق عمراني يحافظ على تناسقه على المدى الطويل ويستجيب للنسيج السكاني للمكان·
سامية بلقاضي
بداية، كيف ترون التوسع العمراني والقفزة الكمية في مجال بناء السكنات في الجزائر؟
في البداية، أذكر أن نظرتي للموضوع نظرية وعن بُعد، أي أنها تسمح لي بملاحظة ما لا قد يلاحظه من يتعامل بشكل يومي مع هذا الموضوع، هذا البعد يجعلني أدرك أن السلطات الرسمية تسعى بكل ما أوتيت من إمكانيات للحد من أزمة السكن، وهو شيء إيجابي في حد ذاته، غير أن ما يقلقني هو عدم إدراج هذا التوسع كما تسمونه ضمن خطة عمرانية واضحة المعالم، فنحن اليوم بصدد إعادة بناء أحياء للنوم، على غرار ما كان يتردد في الثمانينيات، وقد عرفنا أنواع المشكلات الاجتماعية التي أفرزتها هذه الأحياء·
تقصدون أن المدن الجديدة تحل مشكلا آنيا ظرفيا مقابل إمكانية خلق مشكلات على المدى البعيد؟
في البداية، لا أعتقد أن الجزائر بصدد بناء مدن جديدة بقدر ما هي أحياء تضاف وتلتصق بالنسيج العمراني الموجود أصلا، وهو في مجمله عمران من طراز استعماري يعود لفترة بناء المدن بالجزائر الذي كان آنذاك يستجيب لنظرة شمولية لمفهوم المدينة، غير أننا اليوم نرى هذا التوسع يتم دون احترام خصوصية المكان، بعبارة أخرى إذا فكرت في نقل الناس جماعات لا بد من التفكير في سلسلة طويلة من البنيات التحتية التي تتماشى مع هذا الترحيل، مدارس، ثانويات، مستشفيات، أسواق، إمكانية خلق فرص عمل... وغيرها مما يسمح بخلق حياة متكاملة بدلا من الاعتماد على الهياكل والبنايات التحتية المتوفرة من قبل، هذا على سبيل المثال، ناهيك عن ضمان انسيابية التنقل· ما يمكنني قوله أننا اليوم بصدد خلق أحياء معزولة ما يجبرها العيش بشكل منغلق، قد لا يبدو الأمر كذلك لكن على المدى الطويل قد تشكل هذه الأحياء مشكلة حقيقية، سيما إذا ما فكرنا في الكثافة السكانية التي لم تحل بشكل جذري، إذ يستمر إصرار السلطات على تشييد سكنات موحدة في الوقت الذي يختلف فيه الطلب، تكاد كل السكنات من نوع الغرفتين أو ثلاث في الوقت الذي تؤكد فيه كل الدراسات السكانية أن أفراد العائلة الجزائرية في المتوسط تتجاوز أربعة أفراد، هذا دون الحديث عن تواجد أكثر من عائلة في بيت واحد، سيكون حتما للشارع كلمته في استيعاب الأطفال سيما من الذكور والنتيجة تبدو بديهية·
قلتم إن ما يتم تشييده اليوم مجرد أحياء وليس مدنا؟
بالطبع، لا أعتقد أن هناك من يفكر أن الجزائر تشيّد مدنا جديدة، فإنشاء المدينة في المقام الأول يتطلب دراسة معمقة، كما أن بناء المدينة لا يأتي استجابة لمشكلة ظرفية ملحة، إذ يتطلب التفكير في تطورها على مدى عقدين من الزمن قبل إنشائها، ثم إننا عندما نتحدث عن مدينة يعني الحديث عن أدق تفاصيل الحياة وما يلزمها من هياكل وبنى تحتية، على سبيل المثال قبل التفكير في بناء مدينة يجب التفكير في أماكن الترفيه للسكان، وسائل النقل المختلفة، إمكانية خلق مناصب شغل فيها... وغيرها، ولا يتعلق الأمر فقط بوضع ثانوية أو ابتدائية· الحديث عن المدينة، يتطلب التفكير في توسعها ونمو السكان بشكل سلس لا يحل مشكلات·
المفضلة
إرسال إلى صديق
المشاهدات: 1458 إقرأ أيضا:
التعليقات
(0)
|