اللاهوتية الجديدة
بالصورة الفائقة وبالتقنية العالية انتقلت حياتنا اليومية
من المركز نحو الهامش، من المنظومة العقائدية الصرفة التي
تلهم الناس القيم والأحكام والنماذج إلى المنظومة
الوسائطية (medialage)
حيث الوسائطية نقلة وزحف وتعدي على المرجعية والأسس
الثابية والصنمية، يأتي هذا التعليب المعصرن لحياة وحيوات
الناس وفق منطق واحد، هو المنطق الليبرالي ووفقه تتحرك
أسواق العرض ومبادلات الطلب والاستبدال والرهن والمراهنة،
فضلا عن نظريات البناء الفردي والميلان الطاغي للشكلي
والعرضي والهش والخفيف والطري والبالغ النعومة في بنيته
وانبنائه كما في مظهره وملمسه···
علينا أن نراقب المشهد الإعلاني على هذا النحو وبهذه
الأحاسيس المختلفة، نحن مأسورون أمام كرنفالات الصناعات
الناعمة والصنائع الفائقة الأكاذيب، حيث تقفز على القيمة،
والعقيدة والمذهب الاجتماعي والانتماء القبلي، إذ هي تدمر
الجوهر والمركز والمبدأ الأحادي والمدرسة والمؤسسة، فيما
تبقي على الشكل والهيكل، على الصفة واللون، على الخصوصية
والرهافة،··
بعد مراحل من نضالات العقائديين وأنبياء السياسة والفكرة،
بعد عصر اصطرعت فيه الموجات والموضات الفكرية من كل جهات
العالم···ها هو /الزمن السوقي/ يؤدلج منتوجاته ومعلباته
ليس فقط لبني البشر··بل لكل ماهو حي يدب أو ساع على الأرض
يمشي، أو ساكن في التراب وهو يتنفس··السوق في لحظته
الراهنة هذه يصادر الاشياء والشيئيات كما الوقائع
والواقعات ويعيد ابتعاثها على وتائره السريعة، المغلفة
والناعمة والفائقة إذ هي
/المابعد/و/الميتا/و/المافوق/و/الهيبر //ْمٌِّوو/السوبر/،
وشيئا فشيئا ينزلق المشهد عن طبقاته السميكة ليسفر عن شيء
اسمه النكهة أو الذوق أو الاختيار أو الهوى أو التعشق عكس
ما كان يصوغه المهووسون بالدعوات الباطلة والمرجعيات
المغرضة فضلا عن الخيارات المثالية ذات المنزع الأحادي
والعناوين العقائدية الملتصقة بالسلوك وأنماط الوجود
والمسيرة لليومي، وللفرد إذ هي تلغي التعدد في الشكل
والملبس والطعام -ذهنية التحريم كما هي في الثقافة العربية
وبعض الثقافات الأخرى-
وفي اتجاه كهذا يتحرك الأبطال الجدد في عالم المال
والأعمال بوصفهم الأكثر انخراطا وديناميكية وحرية في بث
معتقداتهم الخلاصية وترويج وصفاتهم النهائية مدوزنة
بالتهجين، مخلوطة بنثر الحياة وشعرها، والوسيلة هي /العقل
الوسائطي/ الذي يجمع ويركب ويدير ويبعث ويخلق ويبتكر
عوالمه ومناخاته، مشهد إعلاني واحد يدعوك للتأمل السريع
وللغواية السريعة وللاستهلاك السريع وللملل السريع وللمرض
السريع وللموت السريع -/سواء كان هذا الموت حقا وحقيقة أو
رمزا ورمزية/-
السيارات الفارهة من نوع مرسيدس بنز وبي ام
ww
وهي آتية على الإسفلت الزلج كرخام، تنزل رجلا ملكيا يداعب
بشفتيه سيجار /الهافانا/·· مدة الإعلان تسعين ثانية، ومدة
التدمير الصوري، والرمزي والتخيلي خمسين سنة قادمة لرجال
ونساء يذهبون إلى فنتازماتهم المبكية، الجارحة، ورغباتهم
غير المشبعة، عقدهم الساكنة فيهم إلى آخر نقطة في القلب
وفي الذاكرة،··
تسعون ثانية تصنع البؤس الطبقي والنفسي والأنثوي والذكوري
على حد سواء، الرجل الوسيم وهوس لم يبلغ المرسيدس بنز ولا
الفندق بنجومه السبعة، الرجل المدخن وهو لم يبلغ سيجارة
/الهافانا/ أو /الهافانيتوس/، نكهة لا يصل إليها احدهم
إلا إذا وصل عند طبيب سرطان الرئة وهو يلقي عليه المحاضرات
الطوال عن مخاطر التدخين غير الصحي -/وخاصة السيجارات
الرخيصة الثمن والقيمة والعلبة- ويزداد الشعور
/بالحرمانية/ لدى الأنثى فلا هي تصل سالمة نحو المرسيدس
أو البي ام //طح ولا إلى خاتم من خواتم الوسامه والجمال
الفردوسي ولا إلى الرجل في كامل اكتماله المتأنق···
إن الوقع الذي يحدث بفعل التأثير الصوري الآني يكاد يتحول
اليوم إلى /لاهوت جديد/ اسمه /لاهوت الصورة/ عبر هذا
الجهاز الجهنمي المسمى بالتلفزيون وعبر شاشات أخرى
عنكبويتة، موصولة الألياف والخيوط ضمن مساحة لا متناهية
وعلى كوكب يتسع جدا كي يضيق اكثر في دماغ وفي قلب كل واحد
منا، هذا الوقع والتأثير القادم بمفاعيل السحر والجذب
والافتراس والاكلانية، هش ومؤقت، ومتبدل تفرضه عمليات
السوق ومعادلات الربح بالقيمة المضافة وبلا قيمة، غير انه
يجب أن يتخلص من شهوة الاستئساد على الإنسان الذي لن يكون
طوع قرارة وسيد مستقبله، /فالحساسية السوقية/ التي تتمدد
بأطرافها حولنا كاخطبوط أخير تمنح الإنسان رغبته الجزئية
كما تمنحه سلبا كل العادات السيئة في الاحتياج والاقتناء
والتبضع، فالملايين من البشر على وجه المعمورة اليوم صارت
تخترقهم مشاعر الاكتئاب الفجائي والستراس والإحساس بالضياع
نتيجة ذهابهم الأسبوعي إلى المخازن الكبرى والمغازات
الملأى بالسلع والأدوات والحاجيات، ثم عودتهم شاردي الذهن،
ناكصي الأعقاب والرؤوس فهم لم يقدروا حتى على ملء سياراتهم
بما شاهدوه رؤية العين والقلب والرأس وهذا هو عصرنا، فهو
عصر الحبوب المنومة والفاليوم والفياغرا وشفرات الحلاقة
المتعددة الرؤوس، كما هو عصر السيارات ذات البابين المهجنة
بالتصغير أو بالتكبير كما هو عصر الثقافة الوسائطية حيث
تحتل الإعلانات والملصقات المساحات كهوامش أكثر إنتاجا
للمعنى، من الكتب ومدخلات النخبة والمؤتمرات المغلقة، اذ
يكون الهامشي هو العابر وهو الشعبي وهو المستهلك وهو
المطلوب، من خلال ذلك يتجه صناع الصورة اليومية إلى امتصاص
الروح والرغبة والجمال الداخلي والصفة الهانئة، والصفاء
الروحي، كذلك امتصاص الأموال والجيوب وبطاقات الائتمان
مقابل تعاويذ سحرية جديدة، علب فاخرة، أكياس هفيفة، حقائب
تجر على أربع عجلات، مسابقات وطمبولات، رسائل قصيرة وsms
عن الفوز والحظوه والنجاح، وهذا هو الهامش الذي استلمه
المركز··إن /المركزية المالية/ التي يجسدها اليوم فاعلون
في دنيا الأعمال من دونالد ترامب إلى ريتشارد فورد إلى
انييلي تافياني - -Annilli
Taviani
إلى كارلوس غصن إلى الوليد بن طلال إلى صالح كامل إلى
الراجحي وغيرهم هي مركزية لا يخضعها غير منطق واحد هو
الثروة لا بالمعنى الأدنى، الاخلاقوي،الذي تطرحه القوى
الدينية والجماعات الطهرانية، بل بالمعنى الأكثر خلقا
وإبداعا وتجاوبا مع الحياة، شرح ذلك توليد انماط عيش
عصرية، مؤنسنة، صوغ حيل ووسائل وإمكانات يكون فيها الانسان
ومن خلالها هو السيد لا تحكمه لاهوتية المعنى ولا عصموية
القيمة، ولا أيديولوجيا السوق الجديدة، لا ينبغي لهذا
الكائن أن يسلب بفتافيت الومضات الإشهارية التي تنتهك
كينونته فيكون هو بدرجة الأقل من أدنى·!
عبد
الوهاب معوشي
شاهـد على العصــــر
نوارة لحرش تتعرض للقرصنة الأدبية
بضعة أسابيع فقط بعد صدورها، تعرضت المجموعة الشعرية
الجديدة لنوارة لحرش، المعنونة /أوقات محجوزة للبرد/
للقرصنة من طرف إحدى الكاتبات الكويتيات التي نشرت إحدى
نصوص المجموعة باسمها الشخصي· بالرغم من مراسلة الشاعرة
نوارة لصاحب الموقع الاليكتروني أين نشر النص لإيضاح
موقفها إلا أن هذا الأخير يظل متشبثا بعدم مبالاته·
جائزة محمد ديب الدولية للقصة القصيرة
أعلنت بداية الأسبوع الجاري السيدة صبيحة بن منصور، رئيسة
جمعية البيت الكبير، على هامش توزيع جوائز الطبعة الثالثة
لجائزة محمد ديب، التي عادت الى الصحفي و الروائي محمد
داود، بان الجائزة، بداية من الطبعة القادمة، ستحمل صبغة
دولية، حيث ستفتح الى مشاركين من مختلف بقاع العالم لتتويج
مجموعة قصصية غير منشورة·
كاتب ياسين يستحق جائزة نوبل
أكد الروائي رشيد بوجدرة، خلال استضافته نهاية الأسبوع
الماضي، بفضاء نون، بان الروائية آسيا جبار، بعد التحاقها
بالأكاديمية الفرنسية قد بدأت تفقد علاقتها بالجزائر، حيث
أنها صارت تبتعد كثيرا عن بلد منشأها، كما أضاف نفس
المتحدث، بان الكاتب الوحيد، عبر التاريخ الأدبي للجزائر،
الذي يستحق تشريف جائزة نوبل هو كاتب ياسين لأنه استطاع
الحفاظ على أصالته الجزائرية·
حميد سكيف في ضيافة المملكة
يقوم، خلال هذه الأيام، الروائي الجزائري المعروف حميد
سكيف، استجابة لدعوة إحدى الجمعيات الثقافية، بجولة عبر
كثير من المدن المغربية لمناقشة آخر رواياته: جغرافيا
الخطر التي تطرح إشكالية الهجرة غير الشرعية التي صارت
قضية الساعة بالمملكة المغربية·
التصوف والإبداع
صدر للصحفي الجزائري سعيد جاب الخير المقيم حاليا
بالإمارات العربية المتحدة كتابه الأول والذي حمل عنوان
/التصوف والإبداع/ عن منشورات المحروسة بمصر يتناول فيه
مختلف مظاهر الإبداعية في التصوف فهنيئا للصحفي والكاتب
بهذا المولود الجديد·
رواية جديدة
انتهت الصحفية هاجر قويدري من كتابة روايتها الثانية والتي
أعطت لها عنوانا غريبا /أدعى أوزنجو/ ومن المقرر أن تشارك
بهذا النص في مسابقة على معاشي لأدب الشباب في دورتها
الثانية والتي يترأس لجنتها كل من الروائي جيلالي خلاص،
ومرزاق بقطاش·
جديد بوكبة
من المنتظر أن يصدر للشاعر والإعلامي عبد الرزاق بوكبة نص
جديد في الأشهر القادمة عن منشورات /ألفا/ التي يشرف عليها
المبدع لزهاري لبتر ولكنا لحد الساعة لا نعرف إن كان ما
سيصدر له عبارة عن نص شعري أو سردي·
سفيان زدادقة غاضب
الروائي سفيان زدادقة قدم تعليقا نقديا على قراءة الأستاذ
بن يوسف جديد لروايته /سادة المصير/ منتقدا طريقة التناول
التي عرضت الصحافة بعضا من مقاطعها وعبر عن غضبه من هذا
النوع من المقاربات التي تقرأ النص بسطحية وبخلفيات سياسية
مقيتة، وللتذكير فالروائي سفيان زدادقة روائي جاد ومتميز
وباحث قدير أنجز مؤخرا أطروحة دكتوراه عن الشعر والتصوف·
بوباكير وازنشتين
الباحث والمترجم عبد العزيز بوباكير متفرغ هذه الأيام
لترجمة واحدة من الكتب النظرية المهمة في حقل السينما
للمخرج الروسي الشهير ازنشتين ومعروف أن بوباكير هو واحد
من قلة قليلة في العالم العربي من يحسن الترجمة من اللغة
الروسية للعربية وقدم الكثير من الترجمات للمكتبة
الجزائرية والعربية على السواء·
عن غياب الهوية
سعيد
خطيبي
لا ننفي بان عشرية العنف التي عاشتها البلاد، خلال
التسعينيات، قد غيرت كثيرا من الذهنيات، كما أنها أيضا،
حاولت التعتيم عن اجتهادات كثيرا من المفكرين الذين قضوا
نحبهم قبل توقيع آخر تأملاتهم في مجال تنوير ميولات راهن
الفرد الجزائري· حضرت، منذ أيام، فعاليات ملتقى المفكر
أمحمد بوخبزة، واعترف بأنني، سلفا، لم أكن اعرف سوى
القليل، القليل جدا عن هذا الاسم· اعترف بأنه لم يكن يعني
لي الكثير· كما أتأسف بعمق لان فكر هذا الرجل ركن الظل
سنوات طوال· تحامل عليه التاريخ، كما تحاملنا عليه نحن
أيضا· سنحت لي الفرصة، خلال أيام الملتقى، بالاقتراب قليلا
من وجوه بلغني عنها الكثير، وجوه تحسب على ما اتفق على
تسميته / المدرسة السوسيولوجية الجزائرية/، على غرار كل من
رشيد سيدي بومدين و سعاد خوجة· كما أنني - الأهم - تمكنت
من الاطلاع على بعض مقاربات الراحل أمحمد بوخبزة· شدتني
قدرته على التحليل، على الإقناع المنطقي أيضا· اجزم بأنني
أعجبت كثيرا بقدرته على الاستشراف و كذا التعمق في الطرح
من خلال مقاربة، حملت عنوان: /الشباب الجزائري و ازمة
الهوية/· يبدو من الوهلة الأولى عنوان يبعث على الإثارة·
نعت سؤال الهوية، لدى الشباب الجزائري، بالأزمة محفز
للاطلاع عن فحوى الطرح· يذكر بوخبزة بان معالم هوية شعب
تتأسس على ثلاثة محاور هامة: تاريخ مشترك، ثقافة روحانية و
تنظيم سوسيو-ثقافي· يؤكد المفكر بان جيل ما بعد الاستقلال
يفتقد الى معالم الهوية انطلاقا من غياب المحاور المشكلة
الأساسية، بداية من التاريخ المشترك الذي، في الغالب،
كتبه و يكتبه أجانب ونيابة عن الجزائريين، تاريخ بترت بعض
أجزاءه· لحد الساعة، لا نزال نحد تاريخ الجزائر الإسلامي
في أطروحة ابن خلدون، أما التاريخ المعاصر الكولونيالي
فيكتنفه كثير من الغموض، تلفه كثير من /الممنوعات/· يضيف
بوخبزة بان عبارة / بطل وحيد هو الشعب/ التي روجت لها
المصالح الرسمية بالبلاد هي عبارة خاطئة، تستند على أسهل
الخيارات: الاختصار في التطرق الى السؤال التاريخي، لأنه ،
بحسب نفس المؤلف، عظمة أي شعب تتجسد في قدرته على إنتاج
عبقريات فردية متواصل، في مجالات مختلفة: فكرية، سياسية،
عسكرية و غيرها· اما على صعيد الثقافة الروحانية، بالنظر
الى أن الإسلام دين الدولة الجزائرية، يؤكد بوخبزة بان
النظرة الجزائرية لهذه العقيدة تؤسس قطيعة مع التحول
العالمي· تعاني حالة انغلاق· كما إن الإعلام ساهم أيضا في
الترويج لسطحية المفاهيم، متغاضيا عن تأثيرها السلبي على
المتلقي· فيما يخص التنظيم السوسيو-ثقافي، يشير بوخبزة الى
حالة الفوضى السائدة في الميولات الثقافية بالمجتمع، أين
تتداخل كثير من التأثيرات الشرقية و الغربية التي ساهمت في
الحد من الخصوصية الجزائرية· بالرغم من الفاصل الزمني
الطويل، السنوات الخمس عشر التي مرت عن رحيل المفكر
السوسيولوجي أمحمد بوخبزة، إلا إننا ندرك بسهولة بان
أطروحاته لا تزال معاصرة، تتفاعل إيجابا مع متطلبات
الراهن، نكتشف بان الشرخ لا يزال في تعمق مستمر· بالتالي،
إذا كان الراحل أمحمد بوخبزة قد وضع الإصبع على موطأ
الجرح، ابرز خلفيات و مظاهر الأزمة، ثم رحل، هل من حقنا
اليوم التطلع الى رؤى سوسيولوجية، تطل علينا بالحلول
والبدائل؟
ماذا بقي من قدسية
سلاح ''المقاومة''؟
آسيا
موساي
مرة أخرى بيروت، ومرة بعد مرة تنتهك المدينة، كأن تاريخ
أثينا واسبرطة لا يمل من التكرار، بيروت أثينا جديدة لا
تصمد أمام بطش السلاح، تنهار فيها قيم الحرية والجمال
والحضارة أمام سطوة المقاتلين وحقدهم على مدينة بحجم
العالم، مدينة هي بحق ست الدنيا· ولكن أثينا تعود من جديد،
من الرماد تقوم كل مرة والفكر الذي انطلق منها لا يحده
سلاح ولا تمحوه الحروب مهما بلغت فظاعاتها·
أخيرا وكما في غزة، لم يعد لسلاح /المقاومة/ قدسية، فقدها
في اللحظة التي صوب فيها الأخ بندقية أجنبية الصنع نحو صدر
أخيه· ماذا بقي من معنى للمقاومة الآن، وهل باسم مقاومة
إسرائيل يصبح كل شيء مسموحا وشرعيا حتى الهجوم على الإخوة
والشركاء في الوطن الواحد، ماذا يعني أن لا يكون مسموحا أن
نختلف مع نهج المقاومة، وكل من ينتقد أمرا ما يصبح عميلا
وخائنا· هل المقاومة فاشية جديدة، نظام شمولي مرعب يذكرنا
بأنظمة هتلر وستالين وصدام· أليست المقاومة في الأصل مشروع
تحرير أرض من مغتصبها، فكيف تتحول إلى اغتصاب من نوع آخر،
اغتصاب للرأي الحر وللحق في الاختلاف، واغتصاب للإنسان·
هل المقاومون آلهة لا يخطئون لمجرد أنهم يقاومون العدو،
وهل من ينتقد تصرفاتهم خائن وعميل لمجرد أنه لا يتفق مع
جدوى هذه الأعمال ويطمح ربما إلى نوع آخر من المقاومة،
مقاومة لا تعتمد على سلاح يأتي من الخارج وتأتي معه حسابات
ورهانات وأجندات غير معروفة· في غزة وبعد فرض الأمر الواقع
بواسطة سلاح المقاومة، ماذا يحدث الآن؟ استفقنا جميعنا نحن
المساكين الذين كان لدينا أمل في المقاومة المسلحة،
استفقنا على حقيقة أن إسرائيل في يدها أن تبيد كل شعب غزة
بقرار واحد هو قطع الوقود والكهرباء والدواء، ومع هذا
تستمر حماس في مشروع عبثي لا طائل منه، بدل أن تكون
مقاومتها الحقيقية التفكير في بدائل لهذا الوضع ومحاولة
ابتكار أشكال جديدة من المقاومة الثقافية والسياسية
والاقتصادية·
واليوم في بيروت، كأن التاريخ يتكرر في مدينة لا تشبه غزة
ولا تشبه أية مدينة عربية أخرى، بيروت وحدها في عالمنا
المسحوق مدينة للحياة والجمال والحرية، وحدها بيروت التي
تتيح لك حرية المعتقد والرأي والتحزب والإعلام في محيط
يملأه الظلام والديكتاتورية والاستبداد· منارة الحرية هذه
مهددة اليوم ومهددة من سلاح المقاومة، السلاح الذي يفترض
أن يوجه للعدو، هذا السلاح ضاق ذرعا بهامش النقد الموجود
ولم يعد يحتمل أن يجرؤ أي كان على مجرد التساؤل عن شرعية
هذا السلاح وخطورته وإمكانية استخدامه في حسم الخصام
السياسي· هذا السلاح أصبح زعيما عربيا جديدا لا يطيق
النقد، جاهز لأن يبطش بأي معارض وأن يغلق وسائل إعلام
المعارضة ويزج بمجموعة من المثقفين في السجون ليكونوا عبرة
لغيرهم فلا يتفوهوا إلا بما يروق للنظام· المقاومة أصبحت
لفرط غياب الديمقراطية في وطننا العربي ولفرط تعود الفرد
العربي على عبادة الزعيم والاستسلام له، حاكما جديدا،
حاكما يتماهى مع الله مثل بقية حكامنا·
لم ينتبه هؤلاء المسلحون في بيروت، في شارع الحمراء في
طريق الجديدة وفي كورنيش المزرعة ومار الياس وساقية
الجنزير، أنهم يشلون العقل ويدمرون المقاومة الحقيقية لكل
العرب، فمن هذه الأحياء نأخذ زادنا المعرفي والجمالي، من
عشرات دور النشر المنتشرة في كل الزوايا، من المكتبات ومن
مقرات الصحف والمجلات و&