الجزائر نيوز يوم: الخميس 17 ماي 2012 م، الموافق لـ 26 جمادة الثاني 1433 هـ
خمس رسائل إلى الطاهر وطار•• /4 ــ رسالة في مقاربة الموت وهشاشة قارب النجاة PDF طباعة إرسال إلى صديق
الاثنين, 16 أغسطس 2010 18:44

 

كنت دائما بفكرة ما، بصورة ما، بنظرة ما، عن معنى الخلود·· وعلى فكرة ما الخلود يا سي الطاهر؟! أن نقتبس شيئا من روح الله الذي يسكن كل هذا الورى، أن نبقى، ونتسرب كحفنة الرمل من بين أيدي الزمن·· أن نقف في وجه الموت بعد فناء الجسد وتبخر الروح؟! أن يتكرر صدانا وصدى الزمن الذي ملأناه، بعد زوال الحكومات وزوال رجال اللحظة الأقوياء؟! سمعتك يوما تقول، أين هم من كانوا يمتلكون القوة وقوة البطش في زمن الشاعر المتمرد أبو الطيب المتنبي، لقد تبخروا كالفقاعات، ولم يبق من الزمن إلا المتنبي··· هو امتلك الخلود أما هم فذهبوا مع الزمن الذي مضى·· حديثك عن المتنبي كان في الحقيقة حديثا عن حلمك بالبقاء بعد لحظة الزوال المهددة لكل كائن في زمنه المحدود··· هناك الزمن المفتوح، الزمن المستمر المتأمر كل الأزمنة، الزمن الآثر الذي يتحول أصحابه إلى حكام حقيقيين حتى وإن لم يعودوا من سلالة الأحياء·· يقول تعالى عن الشهداء هم أحياء عند ربهم يرزقون، وتوقك كان تواقا إلى هكذا مشرب، المشرب الذي يتجاوز الموت كنهاية، وكحد··· وكانت الكتابة هي تقربك من هذا المشرب·· في ''الشمعة والدهاليز'' و''الولي الطاهر'' سعت للتخلص من ثوب كتابة الآني، وللتخلص من الجسد كمحطة مفتوحة على محطات متسامية، حيث توارت الإيديولوجيا كسلطة، وانتقلت لغتك الحسية إلى لغة مجاورة لهسهسة الروح الصوفي·· وكانت هذه الهسهسة هي خطوتك الأولى في نسج تلك العلاقة الحميمية والصديقة مع الموت، لم يعد الموت ذلك الغريب الذي سيأتيك من بعيد البعيد ليطرق بابك، لم يعد ذلك الوحش المثير لفزع أرعن وغامض وممتلىء باللبس، بل عاد القريب الأليف، المروّض الذي يشاطرك غربتك في كتاباتك وهواجسك وفي لحظات استعادة تلك الطفولة التي اغتصبتها الحرب المبجلة والمتدثرة برداء قداسة الدم، وقداسة الوهم··· كنت تبحث عن حريتك الضائعة وسط خراب الكلمات وفساد المعاني المنخورة·· حريتك، أجل حريتك الشبيهة بلعبة طفل غرير ضاعت منه في وحل غير بعيد عن أدغال مستنقع موبوء·· في ''الزمن الحراشي'' أو ''اللاز الثاني'' استعدت اسم جميلة، تلك الطالبة المتطوعة، الثائرة والمتمردة على تقاليد مجتمع آيل للاندثار والزوال·· جميلة؟! من تكون جميلتك تلك يا سي الطاهر، أو يا عمي الطاهر كما كان يحلو لك أن ينادوك؟! هل كنت تريد من خلالها استعادة بطولة وصمود جميلة بوحيرد التي تأسطرت في مخيال القصيدة العربية، بدءا من شاكر السياب مفجر القصيدة الكلاسيكية وانتهاء بالجواهري؟! ألم تكن تبحث دونما جدوى عن يوتوبيا مهددة منذ لحظة البدء بالزوال والنهاية التراجيدية؟! ارتضيت لعبة اليوتوبيا التي دشنها اليسار، وتحول اسمك إلى بضاعة جميلة، ورائجة ودخلت عرين الأسماء المقدسة، التحقت بناظم حكمت وبابلو نيرودا، ووقفت على عتبة الأصنام الجدد·· ثم فتحت عينيك على نفسك، شعرت بالأسى فكتبت ''تجربة في العشق'' وهنا نذكر، أي والله، يا عمي الطاهر بحالة عبد القادر علولة الذي تحول عند ملة اليسار إلى قديس ثم اكتشف أنه بحاجة للكتابة عن الحب، بدل ثورة العمال ضد البورجوازية فعاد بقلبه إلى غالدوني يبحث عن لحظة الانسان الأولى، لحظة الضحك···

كنت في رحلتك الأخيرة غريبا، وكنت تستلذ الغربة وسط أهلك، أفلم يقل النبي محمد (ص) طوبى للغرباء···؟!

والآن، دعني أصارحك أيها الراحل إلى مقامه الزكي، عن لحظة بحثت عنها بحثا عن النجاة·· أعرف أنك الآن تضحك من قلبك مني ومن الآخرين الذين قمت بتضليلهم، وجعلت منهم خصوما ألداء··· كنت تريد ذلك، لكن بأسلوبك وطريقتك الخاصة··· فجرت قنبلتك، وصاعقتك عندما كنت غليظا مع الطاهر جاووت، دفعت إلى أقصى درجة لتنفجر عائلتك السابقة التي طلقتها ضدك·· اخترت جرّها إلى عرينك، فصبت عليك جام غضبها، ووصفتك بالمرتد عن العائلة المقدسة كما كتب كارل ماركس·· كنت تدرك أن الإسلاميين الراديكاليين كانوا يريدون رأسك·· وأنت كنت مصرا على البقاء لإكمال مشوارك·· دافعت عن الجسد ليبقى قليلا، ولا يرحل منحورا··· دافعت عنك عائلتك وكسبت ود الإسلاميين الراديكاليين الذين كنت سابرا لأغوارهم الشعبوية·· كنت على رأس جمعيتك الجاحظية، وكان مقرها مجاورا لشخص، كان الأب الروحي لتنظيم إسلامي مسلح·· وهذا الشخص، كان مجاهدا أثناء حرب التحرير، كان فرنكفونيا ومتدينا، وكان كاتبا خاصا للكولونيل شعباني، وكان من منشئي النواة الأولى للشرطة في عهد أحمد بن بلة، ثم أضحى بعد انقلاب بومدين على بن بلة في 19 جوان ,1965 رجل أعمال·· ويظهر من جديد بعد سقوط الحزب الوحيد ليكون أحد رعاة جبهة الانقاذ، كنت تلتقي به، وكان بوابتك نحو قارب نجاة هشة ومعطوبة·

يكتبها: أحميدة عياشي


التعليقات (0)add
أضف تعليق

busy