| لعنة الميكيافيلية |
|
|
|
| الجمعة, 12 مارس 2010 18:47 |
|
التقيت منذ أيام بصديق قديم، اشتغل معي صحفيا يوم كنت على رأس تحرير أسبوعية الحدث في العام 1995 إلى أن تم منعها بتهمة المساس بالمصالح العليا للبلاد إلى أجل غير مسمى، ولقد احتفظ هذا الصديق الذي غادر بعد ذلك الجزائر إلى كندا بذكريات حميمة عن تلك اللحظات التي عشناها في قلب الإعصار الجزائري المليء بالقتلى والجنون والعنف··· هو الآن أستاذ في إحدى جامعات كندا، ومن الناشطين العلميين في مناهضة العولمة والإعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، صدر له إلى حد الآن كتاب حول الإتجاهات الكبرى للإسلام في العلاقات الدولية، والعشرات من المقالات في المجلات المختصة حول راهن ومستقبل العالم العربي والإسلامي·· اتصل بي على هاتفي النقال وقال لي إن كان لدي بعض الوقت لنلتقي ونتجاذب أطراف الحديث خلال الأيام القليلة التي سيقضيها هنا في العاصمة، فرحت بالمكالمة واتفقنا على أن نلتقي في مساء الغد خشية أن يفلت مني هذه المرة، ككل المرات العاجلة التي يأتي فيها زائرا إلى الجزائر، ولقد حاول أن يطمئنني أنه سيبقى لمدة أسبوعين بكاملهما، لكنني قلت له، أنني سأسافر خلال هذه الأيام إلى داخل وخارج البلاد، وبالفعل التقينا في اليوم الموالي، قعدت لوقت في مكتبي بمقر الجريدة، وسألني عن انشغالاتي الراهنة، فقلت له بأنني على أكثر من جبهة على صعيد بحث وكتابة عمل حول مغامرة الإسلام الراديكالي في الجزائر، وعمل ثانِ حول مسار الحكم من الداخل وهذا بدءا من سقوط الحزب الحاكم إلى دخول التعددية وما تلاها من أحداث دموية وصراعات واهتزازات·· أما صديقي القديم، فبدوري سألته إن كان لا زال يدرّس الإقتصاد فقال لي، أنه الآن مهتم بتدريس العلاقات الدولية في السياسة، ثم سألته عن خاله، وهو الأخضر الإبراهيمي وذكّرته بالإشاعة التي راجت منذ سنوات في الجزائر على أساس أنه سيترشح إلى الإنتخابات الرئاسية، ثم عقدنا مقارنة بين هذه الإشاعة أو الإمكانية المفتوحة في الأيام القادمة وبين ذلك الضجيج والسجال الذي أثير من حول إمكانية البرادعي في أن يترشح إلى الرئاسيات في مصر·· وقال لي صديقي القديم، أنه الآن بصدد إعداد كتاب حول راهن ومصير الأنظمة العربية وتحدثنا مطولا عن أعمال جورج قرم ومنها كتابه المهم ''انفجار المشرق العربي'' من تأميم قناة السويس إلى غزو العراق 1956 ـ 2003 وقال لي، أنه سينتقل في الصيف المقبل إلى بيروت ليقابل الدكتور جورج قرم·· وفي الوقت الذي ينصب فيه اهتمامي على الميكرو - أحداث، فصديقي يركز على الماكرو أحداث وقلت أن أعمالنا تتكامل فالماكرو لا يمكن أن يكون مهما وصائبا إلا إذا اعتمد على الأعمال الجزئية التي تحدث في كل البلاد العربية والإسلامية أو عدم ارتكاز الأعمال العمومية التي تتناول القضايا الجوهرية في العالم العربي والإسلامي تكمن نقاط ضعفها على مثل هذا الغياب للديناميكية الجزئية التي تمنح للعمومية قوة التحليل، وقوة الدقة في التناول والتفكيك و الإستشراف··· وعلى مائدة العشاء استمر نقاشنا في الفكر والسياسة على الصعيد الدولي، لكن أيضا على الصعيد الوطني والعربي، وكان اتفاقنا ونحن نسعى إلى تأويل ميشال فوكو، خاصة في دروس كوليج دو فرانس التي تظل تحتفظ بقوتها التأملية ونضارتها النظرية وقدرتها الحيوية من حيث مساعدتها لنا على فهم الظواهر التي كثيرا ما يخفى عنا التباسها المركب حقائقها الجوهرية، وكانت الفكرة المركزية التي جرتنا إليها علاقتنا بفوكو، هي فكرة الميكيافيلية وما بعد الميكيافيلية·· هل تجاوز العالم العربي وبالتحديد أنظمته وحكامه الميكيافيلية؟! الوقائع تثبت أننا لازلنا أسرى الميكيافيلية، وهي بقدر ما يتمكن الحاكم بفضلها من البقاء والإستمرار في الحكم فإنها ليست بالضرورة دلالة على قوة الحكم أو النظام فالميكيافيلية تحمل في طياتها بذور الإنسداد والإنغلاق، لذا فإذا لم نتمكن من تجاوزها إلى لحظة ما بعد الميكيافيلية فإننا كبلدان وشعوب وأنظمة نظل ندور في دائرة مغلقة، وأننا بدل أن نحول الأمل إلى واقع والتشاؤم إلى تفاؤل فإن الميكافيلية لن تقودنا إلا إلى المزيد من الإنحدار نحو المستنقع··· وأثار صديقي مثال البرازيل التي كانت مثالا للديكتاتورية والفساد كيف تمكنت بفضل تجاوزها لحظة الميكيافيلية إلى ما بعد الميكيافيلية من تحقيق نقلة نوعية في تاريخها···
يكتبها: احميدة عياشي
المفضلة
إرسال إلى صديق
المشاهدات: 417 إقرأ أيضا:
التعليقات
(1)
|