الجزائر نيوز يوم: الثلاثاء 7 فيفري 2012 م، الموافق لـ 13 ربيع الأول 1433 هـ
درس البرادعي PDF طباعة إرسال إلى صديق
الجمعة, 26 فبراير 2010 18:53

 

تابعت أول أمس، الجزء الثاني من الحوار الذي أجرته قناة دريم في حصة ''العاشرة مساء'' التي تنشطها الصحيفة منى، مع محمد البرادعي، المسؤول السابق عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية·· كان الحوار مهما ومثيرا على أكثر من مستوى، وتنبع أهمية الحوار من الدلالات التي حملتها مثل هذه المقابلة الفريدة من نوعها، وتعتبر بالفعل سابقة في الميديا المصرية··

فعلى صعيد الشكل، لم تظهر المنشطة منى بوجهها الاعتيادي الذي يتسم بالثقة الكبيرة في النفس والمواجهة الصريحة·· فلقد بدت المنشطة مرتبكة وغير حرة، وكأن الأسئلة أو جزءا منها كان مملى عليها من دوائر أمنية ومن جهات صاحبة نفوذ·· ففي معظم الأوقات كانت المنشطة وهي تطرح أسئلتها على محمد البرادعي تتجنب النظر وجها لوجه مع ضيفها، ويدل ذلك على مدى الارتباك الذي كان يعتري المنشطة، والملاحظة الثانية، كانت المنشطة تفتقد القدرة على مواصلة الحوار على مستوى التوليد، لذا، كانت تلقي بأسئلتها الواحدة تلو الأخرى التي كانت معدة بشكل مسبق·· كما أن المنشطة التي فتحت المجال لأسئلة المشاهدين، كانت تركز على محاولة المعرفة الدقيقة للمتدخلين والمتدخلات من حيث الانتماء الاجتماعي، بل ذهبت إلى حد طرح أسئلة على متدخلات عن وظيفة أزواجهن، كما سألت إحدى المتدخلات وهي مراسلة سابقة لقناة الجزيرة، إن هي لازالت تحت المراقبة الأمنية، وإن كانت لا تخشى من التعرض لمتاعب أمنية بعد مداخلتها في الحصة! كما وجهت كلامها مباشرة إلى أحمد ماهر وهو مخرج سينمائي كيف تجرأ على أن يكون من بين الذين توجهوا إلى المطار لاستقبال محمد البرادعي، وهو الذي حظي بدعم من وزارة الثقافة المصرية لإنتاج أحد أفلامه!! لكن ذلك الارتباك سرعان ما عبر عن نفسه لدى المنشطة منى، عندما قالت وبصريح العبارة في نهاية الحصة، أنها مع حق كل مواطن للترشح للرئاسيات· وأضافت·· إن شاء الله، إن شاء الله، إن شاء الله، قد ألتقي بكم في الحصة المقبلة·· وهي رسالة واضحة من طرف المنشطة أنها تجاوزت الخط الأحمر، وأنها خائفة من المجهول··· ومن هنا، تعتبر الحصة فريدة من نوعها، لأنها عكست لنا مدى الضغوط الممارسة على القناة التي تجرأت على استضافة البرادعي الذي ينوي إذا ما تعدل الدستور دخول مغامرة المنافسات لرئاسيات ,,.2011

أما فيما يتعلق بمحمد البرادعي، فلقد ظهر في الجزء الثاني من لقائه مع قناة دريم أكثر ارتياحا، وأكثر وضوحا، وأكثر تصميما على المواجهة وخوض معركة الانتخابات···

قدم طيلة الحصة أسلوبا جديدا في التعاطي مع الشأن العام·· أولا، لقد فاجأ الكثيرين، عندما تعرض إلى ما حدث بين مصر والجزائر في مقابلة أم درمان·· بحيث قال وبمسؤولية، أن ما نتج عن المقابلة الكروية من حيث المعالجة الإعلامية والسياسية المصرية يعتبر بالفعل كارثة، وقال أنه من غير المعقول أن نتجرأ على تاريخ وثقافة شعب، وقال وبشجاعة نادرة أنه يقدم اعتذاره للجزائريين·· لم يختر محمد البرادعي الطريق السهل ولا الديماغوجي لاستعطاف الجماهير وهو الراغب في الترشح للرئاسيات·· كما أن محمد البرادعي أدرك كيف يقدم نقده للنظام المصري الذي مارس سياسة التقزيم والتهميش لمواطنيه طيلة خمسين سنة، وذلك دون غوغائية وتجريح·· لقد اختار البرادعي لغة الفعل غير المتعالية ووضع أصبعه على الجرح بهدوء وجلاء·· وبقدر ما تحدث البرادعي عن مساره وأفكاره وعن أسلوبه في إحداث التغيير، فقلد ظهر صاحب نظرة إنسانية ليست بالضرورة طوباوية وإنما تقوم على أسس حقيقية وواقعية···

ومن المؤكد أن المغامرة التي قرر خوضها البرادعي سوف لن تكون سهلة، إن لم نقل معقدة ومليئة بالتحديات والمخاطر، لكن من حيث دلالتها جد مهمة·· لأنها تشبه الحجر الذي ألقي به في المياه الراكدة·· والقرار في حد ذاته شكل إحراجا كبيرا للنظام من جهة، ومن جهة ثانية منح أملا حقيقيا لأنصار التغيير من مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية·· لقد شكلت مبادرة البرادعي إمكانية تجاوز ما هو قائم والذي أراد أن يتحول بقوة الأشياء إلى قدر يستحيل تغييره·· أعتقد أنها الرسالة العميقة والمزدوجة لأقوياء الساعة وللمهمشين، لكن المؤمنين بإمكانية تغيير حال الأمة من أصحاب الكفاءات والأجيال الجديدة والصانعين والصانعات للمعنى اليومي من خلال كدهم وإصرارهم على تغيير الأوضاع·· ومن هنا يبدو اليأس الذي يسعى الحكام ومعاونوهم لتحويله إلى ثقافة متجذرة في الأذهان والعقليات وفي حياتنا اليومية، هو مسألة نسبية وينطوي على هشاشة كبرى إذا ما تمكنا من تحقيق الوعي، على أننا كمحكومين قادرون على قلب الأشياء والأوضاع بشكل جذري وسلمي·· ليس من الضرورة أن تمر الثورات عن طريق العنف والدم، بل يمكن أن تحدث عندما نكف عن النظر إلى واقعنا البائس بنظرة سلبية، فالنظرة الإيجابية يمكن تحريكها في كل لحظة إذا ما فكرنا بشكل سليم وسعينا بكل تواضع إلى تحويل الأفكار إلى أعمال·· وذلك هو الدرس الحقيقي الذي منحنا إياه، محمد البرادعي···

يكتبها: أحميدة عياشي


التعليقات (4)add
أضف تعليق

busy