الجزائر نيوز يوم: الثلاثاء 7 فيفري 2012 م، الموافق لـ 13 ربيع الأول 1433 هـ
نساء عين الباردة وديب PDF طباعة إرسال إلى صديق
الثلاثاء, 16 فبراير 2010 19:31

 

انخرطت 11 امرأة من عين الباردة بعنابة في إضراب مفتوح عن الطعام، وهذا لعمري إبداع جديد في التعبير عن الاحتجاج والتعسف الذي أصبح يعاني منه المواطن الذي لا حول له ولا قوة من سلطاته المحلية··

لماذا أضربت نساء الباردة عن الطعام، هل هو مجرد تقليد للمرأة الفولاذية مهدي مريم التي دخلت يومها 67 من إضرابها عن الطعام احتجاجا على المظالم التي نزلت على رأسها من طرف الشركة الأجنبية التي تشتغل فيها؟! طبعا، ليست المسألة مجرد تقليد في استعمال مثل هذا السلاح الخطير، والمعبر عن صرخة يأس بعد أن سدت في وجوههن كل الطرق المتاحة؟! بل يعبر ذلك عن عدة أشياء يعتبر الصمت عنها غير مسموح، وهي، أن الفساد لم يبق فقط حكرا على أصحاب النفوذ على هرم السلطة، بل امتد وأصبح كاللولب في كامل مؤسسات الدولة، سواء كانت هذه المؤسسات اقتصادية، أو سياسية أو اجتماعية، وقد تحوّل هذا الفساد إلى ظاهرة عامة تحدث في وضح النهار وليس تحت جنح الظلام·· فوزراء الدولة تحوّلوا إلى رعاة سامين لهذا الفساد وحماة للمقربين منهم الذين انفجرت فضائحهم على الصفحات الأولى للجرائد·· وبرغم خروج هذه الفضائح إلى العلن فلم نسمع بوزير واحد تجرأ على وضع استقالته على مكتب الوزير الأول، أو على مكتب رئيس الجمهورية·· بل ما حدث هو العكس أن هؤلاء الوزراء لم يرفضوا فقط الاستقالة بل راحوا يصبون جم غضبهم على الصحافة التي أصبحت في نظرهم مصدر فتنة، ووسيلة يستعملها ''الحاقدون على الوطن'' لتشويه سمعة البلاد، ولم نسمع كذلك بوالي واحد، صفق الباب خلفه كتعبير عن حسّ المسؤولية·· ثانيا، هو غياب تطبيق القانون وهذا ما جعل المال العام يعبث به كل هذا العبث الكبير من طرف المسؤولين، ثم ثالثا هو هذا الصمت المريب للطبقة السياسية أمام ما يحدث، وأيضا هذا التخاذل للمنتخبين الذين اكتفوا بلعب دور المهرجين في قبة البرلمان، فهل يرجع ذلك إلى أنهم أيضا متورطون في مستنقع الفساد؟!

إن نساء عين الباردة اللواتي أضربن عن الطعام، لجأن إلى الإضراب عن الطعام، بسبب حرمانهن من مساكن اجتماعية تحفظ لهن كرامتهن في جزائر العزة والكرامة، وبسبب أنهن يدركن أن مثل هذه السكنات الاجتماعية، تذهب إلى المرتشين من المافيا المحلية، من أصحاب الريوع الذين جعلوا من هذه المساكن التي تنفق عليها الدولة مصدرا لإثراء جديد··

قرأت هذا الصباح مقالة جميلة للصديق الروائي جيلالي خلاص عن الكاتب الجزائري الكبير وأحد مؤسسي الرواية الجزائرية باللغة الفرنسية إلى جانب كاتب ياسين ومولود معمري وآسيا جبار ومالك حداد، الروائي محمد ديب·· تحدث فيها جيلالي خلاص عن تحولات ديب بعد الثلاثية الشهيرة التي جعلت منه أحد أقطاب الأدب الجزائري·· وبرغم أن محمد ديب، أول ما اشتهر به كان الإلتزام بالقضية الوطنية وبمنهج الواقعية الثورية، فإنه زهد في ذلك ما أن وضعت الحرب التحريرية أوزارها، واتجه نحو عالم متسام، لا بطل فيه سوى الإنسان المهووس بعالم الميتافيزيقا السرية، الإنسان المجرد، غير المنتمي إلى وطن، أو إيديولوجيا أو قبيلة سياسية·· تحول الكتابة لديه إلى غاية في حد ذاتها للتحرر من أثقال التاريخ وهواجس الراهن·· وكانت مثل هذه التحولات بمثابة صدمة لمحبيه وللنقاد الذين كانوا يعتبرونه غوركي الجزائر·· كان النقاد ودور النشر ينتظرون منه كتابات تعكس قضايا الجزائر الجديدة، ومخاوفها ونزقها السياسي، بينما اختار الكاتب منفى الفيزيقي والميتافيزيقي وتحول إلى متعبد في صومعة الكتابة··· تخلت عنه بسبب هذا الاختيار معظم دور النشر الفرنسية الكبيرة، وتخلت عنه أيضا بلده·· لكن محمد ديب استمر في مغامرته المتميزة ذات المنزع الصوفي المتفرد·· ويوم التقيته ذات شتاء من العام ,1994 وسألته عن تجربته الجديدة في الكتابة التي خاضها منذ روايته عام 1963 ''من ذا الذي يتذكر البحر'' قال لي، إنه ليشعر بالحزن عن ما آلت إليه بلده·· وأنه لا زال مسكونا بمسقط رأسه·· وأنه لم يتخل عن التزامه برغم كل ذلك، الدليل أنه جاء من فلندا، حيث كان يقيم إلى باريس، ليتدخل ككاتب حول ما كان يحدث من مآس بالجزائر يوم كانت في قلب حرب أهلية شرسة اشتعل فتيلها بين العسكر والإسلاميين الراديكاليين، لكنه أضاف·· أما الكتابة فيجب أن نحافظ على عالمها الخاص·· فهي القادرة على حماية الإنسان من كل غوايات السياسة وأدران الحكام الصغار··

يكتبها: أحميدة عياشي


التعليقات (0)add
أضف تعليق

busy