عربنشي-كود
رواية مسلسلة
80 ـ نهـــــاية المـــلازم عـــزت
بقلم: احميدة ·ع
تحركت
سيارة الإسعاف بسرعة وسط تلك الجموع الغفيرة التي ملأت
الرصيف والشارع، وكان رجال قوات الأمن يتحركون في كل
الاتجاهات وأصواتهم مرتفعة، كان الفزع مرتسما على تلك
الوجوه الظامرة·· كانت الأنات التي تصدر عن الملازم عزت
متقطعة ومتواصلة في نفس الوقت، لكنها كانت خامدة تحت نعيق
سيارة الإسعاف، عيناه كانتا شبه مغمضتين وكان محاطا بفريق
استعجالي، كان العالم يبدو للملازم عزت وكأنه يرقص خلف
ستار شفاف··· وبدأت الصور تتعدد وتتظاهر في رأس الملازم
عزت·· وكان يقول لكن بصوت هو أقرب إلى الهذيان··
''أعرفه··· أعرفه الذي''··· ثم يخمد الصوت ليعود من جديد
يلفظ بأسماء وكلمات لارابط بينها··· توقفت السيارة داخل
المستشفى العسكري ونقل إلى غرفة العمليات على جناح
السرعة·· كان الملازم عزت في غيبوبة كاملة··· وما إن رآه
الطبيب الجراح حتى تعرف عليه وقال ''مستحيل···!''، لقد كان
زميلا له في كلية الشرطة···
في تلك
اللحظات أحس الملازم عزت براحة تسري إلى جسده ولم يعد يشعر
بوطأة الألم·· بل لم يعد يحس بالجسد، بل وبوجود الجسد···
''هل أصبح مجرد روح هائمة في السماء؟'' أنوار كثيرة
متلألئة بدأ يراها·· ألوانها متعددة وبهيجة··· وبدأ يرى
أيضا فراشات كثيرة··· فراشات بيضاء··· فراشات صفراء···
فراشات خضراء··· فراشات بنية··· فراشات حمراء·· فراشات
زرقاء··· فراشات برتقالية··· وكان يحس ببهجة طفل وهو يرى
كل تلك الفراشات بألوانها الزاهية ترفرف فوق رأسه··· وبدأ
أيضا يرى حديقة ذات أشجار وارفة ونخيل نضر اللون وسامق
ومثقل بالعراجين··· وبدأ يرى السماء··· كانت في منظر ساحر،
لم يسمح له أن رآها في السابق كما بدأ يراها··· كانت شديدة
الزرقة وقوية الصفاء وكان ذلك الصفاء يثير في نفسه هدوءا
عميقا وطفوليا وساذجا في الوقت ذاته، وهو هدوء أقرب إلى
الحبور الذي يجعل من حياة المرء تغطس في نهر الخلود·· وبدأ
يرى جسده عاريا، يتحرك·· لا دم فيه ولا جراح ولا كدمات··
جسد بدون عورة·· جسد شفاف، جسد متحرر، وعندئذ، رأى نفسه
وهو في قمة الطفولة يجلس أمام بيت العمارة، ينظر إلى
الحارس بدر، صاحب البشرة السوداء، والعباءة الزرقاء
والعمامة البيضاء الضخمة، والوجه العريض والأنف المفلطح···
رأى الطفل عزت يركض عبر الشارع الطويل المترب، المعطر
بروائح القطران والبخور·· حيث الإضاءة مثيرة وشهية وصارخة،
والأصوات صادحة، ضائعة وتائهة والعيون متحركة، مفتوحة
ومغمضة·· ورأى نفسه يقف أمام العمود الكهربائي فيأتي
أترابه يستفزونه، فيتحولون إلى أشرار يحملون مسدسات من
خشب··· ويصبح هو الرجل الذي يطارد الشر، فيركضون ويركض
وينفذون في متاهات الحارة وكل ذلك يحدث عندما يغرب النهار،
وتذهب الشمس وهي تجر أذيالها وتمتلىء الشوارع بالباعة
وأصحاب الكاروات الذين يصيحون ويتفنون في الصياح·· وتمتلئ
أيضا بالحمير الذين لوكان لهم لسانا فصيحا لقالوا الصبر،
وقالوا الألم قولا لا يعلى عليه···· وبدأ يرى كل تلك
الوجوه التي طاردها وطاردته·· رأى علي الجزائري يصرخ في
وجهه، ويقول له، ''لماذا؟··· لماذا ظلمتني؟··· قل أين هي
أمي؟··· لماذا قتلوا أمي؟''··· ثم بدأ يراهم جميعا بدون
أقنعة·· رآهم وهم يدخلون إلى منزله في تلك الساعة
المشؤومة، كانت زوجته نائمة، هل كانت تحلم؟.. ملت من
الإنتظار··· ملت من اللإهتمام··· تناهت إلى سمعها خطوات،
حاولت أن تفتح عينيها وسط ذلك الظلام··· منظر الأشباح
أفزعها، أنارت المصباح، صرخت، إمتدت إليها أيادي
الأشباح··· حاولت أن تقاوم··· حاولت أن تستنجد·· وكانت وهي
تموت، تقول وتسأل ''لماذا أنا؟··· ماذا فعلت؟··· من
أنتم؟·· وبدأ يرى حياته، وكل تلك التي أصبحت مجرد بقايا
صور، حيث كانت·· أين كان الدم والرماد··· وكان يريد أن لا
يرى لكنه كان يرى··· ثم رآها··· تجلس على صخرة عالية··
كانت في غاية الجمال، تنظر إليه تارة وإلى الشمس تارة
أخرى··· وكان نهر طويل وفياض وصادح بالزير يجري تحت
قدميها··· نظر إليها وناداها باسمها··· ونظرت إليه
والدموع تسيل من عينيها··· ونظرت إليه والإبتسامة ترقص على
شفتيها·· وعندما مدت يدها إليه نهض بسرعة وفرح··· وهرع
نحوها ومد يده··· ثم بدأ يحس بالرغبة في الطيران·· وعندئذ
طار··· وظل يطير وكانت هي تجلس على صخرة عالية··· وكانت
تقول له ''تعالى، تعالى يا عزت··· تعالى أنا هنا·· أنتظرك
منذ زمن''···