| مجرد تأجيل أم تخلي عن الوعد |
|
|
|
| الجمعة, 22 يناير 2010 20:25 |
|
''لا أحد يتنبأ بما يخفيه الغد''، هي القناعة التي يكون قد توصل إليها الرئيس الأمريكي باراك أوباما، في هذا اليوم، وهو يستذكر الوعد الذي قطعه على نفسه والمتعلق بغلق معتقل غوانتانامو في مثل هذا اليوم· كان إغلاق المعتقل بمثابة حصان معركة الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي طالما ردد أن المعتقل إهانة لأمريكا لحقوق الإنسان، في إشارة إلى ضرورة محاربة الإرهاب من دون انتهاك صارخ لحقوق الإنسان· وقد تعهد فور اعتلائه سدة الحكم بغلق المعتقل، مؤكدا على تاريخ 22 جانفي هو آخر آجل للغلق الكلي والنهائي للمعتقل· يأتي التاريخ ولا ينجح باراك أوباما في تنفيذ وعده، إذ تؤكد التقارير الرسمية أن ما لا يقل عن 196 معتقل مازالوا قابعين في سجن غوانتانامو·
ما وضع الرئيس الأمريكي في موقف حرج، ليس فقط عدم تنفيذ وعده بإغلاق المعتقل، بل الأمر بات أكثر تعقيدا في ظل التأكيدات التي ترد من الإدارة الأمريكية والتي تؤكد على أن الأمر لا يقتصر على مجرد تأجيل بل عدم إمكانية إغلاق المعتقل، على الأقل في الوقت الحالي، المقصود بالوقت الحالي السنوات القليلة القادمة، بالنظر لعودة موجة التهديد الإرهابي على المصالح الأمريكية عبر العالم·
فالجدير بالذكر أن حوالي 95 من ضمن 196 معتقل متبقي في غوانتانامو من جنسية يمنية، وهي الجنسية التي باتت كافية لمجرد ذكرها للحديث عن التهديد الإرهابي، بعدما تأكد أن تنظيم القاعدة ينشط في اليمن أكثر من غيره من البلدان· ولعل حادثة النيجيري الذي حاول تفجير الطائرة الأمريكية المسافرة بين مدينتي ''ديترويت ومونريال''، دليل آخر على خطر الشبكات الإرهابية اليمنية، على اعتبار أن النيجيري تلقى تدريبه في اليمن·
بعبارة أخرى لا يمكن للإدارة الأمريكية في الوقت الحالي ترحيل سجناء اليمن نحو بلادهم، سيما في ظل تصاعد الأصوات المنددة بإهمال المخابرات الأمنية· فقد بات الجمهوريون يعيبون على إدارة أوباما فشله في حماية الأمريكيين، إن منهم من لم يتوان عن اتهامه في التساهل مع بني جلدته، في إشارة للمسلمين· أمام هذه الأوضاع، لا يمكن تصور إرسال السجناء لأوطانهم خشية محاولة الانتقام وبالتالي التورط في عمليات إرهابية جديدة· والجدير بالذكر في هذا المقام أن الإحصائيات الرسمية المتوفرة لدى وزارة الدفاع الأمريكية تشير إلى أن حوالي 75 من ضمن530 سجين أطلق سراحه من غوانتانامو عاد للانخراط في الجماعات الإسلامية المتطرفة·
على هذه الخلفية، تتصاعد أصوات متطرفة في الولايات المتحدة الأمريكية تنادي بضرورة إبقاء السجناء في غوانتانامو باعتبارهم أكثر السجناء خطورة وتهديدا للأمن الأمريكي، رافضة في السياق ذاته مساعي إدارة باراك أوباما الساعية لإنشاء سجن خاص بهم في واحدة من الولايات الأمريكية الخمسين· لكن مرة أخرى تتصاعد أصوات داعية للإبقاء على سجن غوانتانامو بحجة أن الشعب الأمريكي أولى بالميزانية المخصصة لبناء سجن جديد لمن يهدد أمن أمريكا·
هكذا بدا الوضع عشية التاريخ المقرر لغلق معتقل غوانتانامو، بين من يطالب الرئيس الأمريكي بتنفيذ التزامه بغلق المعتقل وبين من يذكره بواجبه في حماية الأمريكيين من أي خطر محدق· سنة، إذن تمر وتبقى الأنظار معلقة نحو الولايات الأمريكية، التي اكتفت في الوقت الحالي بالتأكيد على أن قضية المعتقل لا تعدو تكون مجرد تأجيل إلى حين إيجاد البديل الملائم، والذي يرضي كل الأطراف·
والمقصود بإرضاء كل الأطراف، غلق المعتقل الكوبي، الحفاظ على حقوق الإنسان للسجناء، التأكد من عدم تشكيل السجناء خطرا على الأمن الأمريكي مستقبلا··· وهي مصالح لا تلتقي، ما يصعب من مهمة باراك أوباما، الذي يبدو أنه بات مضطرا للتعامل مع الواقع بدلا من الاكتفاء بتقديم وعود براقة·
هذه الوضعية التي سهلت من مهمة الحزب الجمهوري في العزف على وتيرة التهويل والتخويف من أي تهديد ضد أمريكا، ففي آخر محاولة لتصعيب مهمة أوباما طالب الحزب الجمهوري الكونغرس إقرار مشروع قانون يمنع تسليم سجناء غوانتانامو لدولهم بحجة أن هذه الدول غير قادرة على محاكمتهم، وبالتالي إمكانية العودة للأعمال الإرهابية، في ذات الوقت الذي يرفض فيه الحزب الجمهوري استقدام السجناء للأراضي الأمريكية· هي معضلة جديدة يجد الرئيس الأمريكي نفسه أمامها، غير أن هذه المرة بات الأمر يتعلق بالتزام أوباما بوعد قطعه للعالم وليس لأمريكا فحسب·
سامية بلقاضي
|