|
PH/
DjazairNews |
 |
في ·· ما معناه
ربيعة جلطي
الوقت المناسب
داخل إطار مفضض، كانت تجلس في الصورة مبتسمة، لماعة
العينين، في ثوبها الأبيض·· إطار مفضض مسند إلى الحائط في
الزاوية قرب المدفأة·
لم تكن تحب الضوء كثيرا·· ستائر الغرفة مسدلة· لا أحد غير
فنجان قهوة واحد، وسكرة واحدة، وملعقة صغيرة واحدة·
الأولاد كبروا·· يتراكضون في مدن الأرض التي أصبحت ضيقة··
أما الأهل فكل غارق في مشاكل الدنيا·· العصر ليس كالعصر··
من تسع وسبعين سنة كانت الحياة مختلفة·· كل شيء تغير··
في الصورة ململت أصابعها قليلا لتخفي ابتسامة ساخرة·
ـ هي الدنيا هكذا!
أطلت على مكانها الذي تعّودها منذ عمر كامل، وعلى أشيائها،
ورائحة القدامة·· هناك آلة خياطة عتيقة، لم تقو على التخلص
منها، وهنالك معطف قديم لزوجها الحبيب تخبؤه منذ عهد،
تشمّه كلما جنّت ذكراه، وهناك ما يشبه بندقية شارك بها في
حرب التحرير، تباهي به وبها أمام الناس وأمام النسيان··
وهناك أشياء صغيرة لأبنائها وأحفادها، تخبؤها بمنتهى
الحنان، وتخرجها من أمكنتها كلما جاؤوا أثناء أصيافهم من
الأبعاد·
أخرجت رأسها من الصورة تحرّك الإطار المفضض قليلا وكاد أن
يسقط·
ـ لمن هاته الجثة؟!
كان الفنجان مقلوبا، باردا، يابسا، وحزينا، والسُّكًّرة
مازالت مربّعة·
ـ لمن هاته الجثة المرمية على طرف الأريكة أهي أنا؟!
لملمت ثوبها الأبيض ونزلت من الصورة، واقتربت أكثـر من
الجثة·
ـ آ·· تعم·· هي أنا·· الله أكبر!!
بأطراف الأصابع لمست الجسد الهامد، المتحلل، المتفضن،
المسجى، الهش، المتعفن، المشوّه، الجامد، اللزج، المتيبّس
المتضائل، المتسربة رائحته في زوايا البيت كله· كان الصمت
قاتلا·
لا أحد غير رائحة الموت·· كان الجسد غافلا عن غفلة
الأشياء· ما الذي يفعله الدود بهاتيك العينين اللتين
داعبتا الدنيا
قرابة ثمانين سنة·· ما هذه اللزوجة التي تهجم بالرطوبة على
كل شيء، وتندلق فوق الأشياء·
ـ آه·· هي الدنيا هكذا إذن!·
بهدوء، كانت تتحرك بثوبها الأبيض في أرجاء البيت·· تنظر
إلى أشيائها عن قرب، تتفحصها بمنتهى الحنان، وكأن شيئا لم
يكن·
سمعت، فجأة، أصواتا خلف الباب··
هي الرائحة إذن·· أصوات قلقة ومنزعجة·
رجعت بهدوء إلى الصورة، رتّبت جلستها مثلما كانت منذ تسع
وسبعين سنة، تربعت داخل الإطار المفضض·
كانت تتفرج عليهم، يبكونها بمرارة، ويتأسفون أنهم لم يأتوا
في الوقت المناسب·
أي وقت مناسب؟! أخفت ضحكتها·
اقترب أصغر أبنائها من الصورة، تأمّلها مليّا ثم قبّلها··
لم تكن باردة·